لم تمضِ سوى أيام قليلة على آخر تحديث حصلنا عليه من مسبار إنسايت التابع وكالة الإدارة الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) إذ أرسل المسبار رسالة جديدة إلى الأرض مكنتنا من الاستماع إلى أصوات المريخ.

رياح المريخ تهب

وهبط المسبار بنجاح على سطح المريخ في 26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وزودنا بمشاهد عديدة عالية الدقة من محيطه المقفر. أما الآن ولأول مرة في التاريخ، أرسل إنسايت أصوات شبحية لرياح المريخ. ونشر مختبر الدفع النفاث التابع لناسا حديثًا تسجيل فيديو تُسمع فيه أصوات واهتزازات من الكوكب الأحمر.

قياس نبض المريخ

وتنتج التسجيلات عن أجهزة إنسايت، وهي مقياس الزلازل وجهاز استشعار ضغط الهواء. وسجل مستشعر ضغط الهواء حينها ريحًا بسرعة 15 إلى 24 كيلومترًا في الساعة.

وبمجرد أن يجد إنسايت بقعة ملائمة له سيستخدم مقياس الزلازل للاستماع إلى نبض الكوكب؛ أي الاهتزازات الزلزالية، التي يمكن أن تعطي العلماء أدلة ثمينة حول ما يجري في المريخ، ويساعد مستشعر ضغط الهواء كذلك، مقياس الزلازل، على فهم تلك القياسات.

ووفقا للفيديو فإن تسجيله كان في الأول من ديسمبر/كانون الأول الجاري. واضطر مختبر الدفع النفاث إلى رفع حدة الأصوات وتسريع أجزاء من التسجيل للتمكن من سماعها على الحاسوب المحمول ومكبرات صوت الهواتف النقالة.

أصوات غريبة

ويجب علينا الانتظار بضعة أشهر إلى أن يحصل العلماء على القراءات الأولى للأجهزة، ولكننا سنستمتع حتى ذلك الحين بالاستماع إلى الأصوات الغريبة لكوكب يقع على بعد ملايين الكيلومترات.

وبشكل عام، يعمل المسبار بصورة جيدة، وحطم الرقم القياسي لتوليد الطاقة الكهربائية خارج الكرة الأرضية، إذ تخطى جميع مسابر المريخ السابقة، وهو يولد نحو ضعف ما كان يولده مسبار كيوريوسيتي، ما يعني أن جميع الأنظمة تعمل.

وانطلق مسبار إنسايت الروبوتي على متن صاروخ أطلس5، من قاعدة فاندربيرج الجوية في كاليفورنيا، في 5 مايو/أيار الماضي، ليقطع مسافة وصلت إلى نحو 483 مليون كيلومتر خلال نحو سبعة شهور، وحط في 29 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، على سهل مسطح بالقرب من الخط الاستوائي للكوكب الأحمر، يدعى إليسيوم بلانيتيا، قرب أكبر المناطق البركانية على المريخ. وسيقضي فيه المسبار العامين المقبلَين، لأداء مهماته العلمية، ما يمنحنا معلومات قيمة لمعرفة كيفية تشكل الكواكب الصخرية في نظامنا الشمسي، ويساعدنا على التخطيط لزيارة المريخ أو استعماره يومًا.

وليس الهبوط على المريخ بالأمر السهل، إذ فشلت نصف البعثات المريخية السابقة في الوصول إلى الكوكب الأحمر بأمان، واجتازت المركبة ما وصفته وكالة ناسا بأنه سبع دقائق من الرعب، ودخلت الغلاف الجوي للمريخ بسرعة هائلة بلغت 19.300 كيلومتر في الساعة وبدت مثل الشهاب، قبل أن تتباطأ إلى ثمانية كيلومترات في الساعة عند هبوطها بمساعدة مظلة خاصة ومحركات صاروخية صغيرة.

ويخطط فريق عمل إنسايت لجمع بيانات عن تاريخ المريخ، إذ زودوا المسبار بمقياس زلازل لرسم خريطة داخلية للمريخ وما يحدث في قشرته، ومقياس حراري يقيس الحرارة المنبثقة من أعماقه، ومستقبل راديو خاص لقياس مقدار تذبذب المريخ على محوره خلال دورانه حول الشمس.

وتسير المركبة حاليًا تحت أشعة الشمس على سطح المريخ، ونشرت ألواحها الشمسية لتجمع الطاقة اللازمة لإعادة شحن بطارياتها، وتولد ألواح إنسايت الشمسية، التي يبلغ عرضها 2.2 مترًا، نحو 600 إلى 700 واط من الطاقة الكهربائية عندما يكون الطقس صافيًا لتستخدمها المركبة في تشغيل محركاتها وآلاتها، ويعادل ذلك الطاقة اللازمة لتشغيل خلاط منزلي، وأرسلت المركبة بعد ساعات من هبوطها صورة سيلفي التقطتها إحدى كاميراتها.

وذكر مختبر الدفع النفاث إن آلات المركبة العلمية، ستستغرق نحو شهرين أو ثلاثة شهور لتكون جاهزة لإرسال البيانات إلى الأرض. ولذلك فالمركبة حاليًا ما زالت في مرحلة البحث عن المكان المناسب.

أبحاث شاملة

وأدت الأبحاث السابقة عن المريخ إلى اكتشافات بارزة؛ منها اكتشاف المياه الجليدية المكشوفة والعواصف الثلجية العاتية، لكن هذا يُعد جزءًا ضئيلًا من معلوماتنا عن سطح المريخ.

وقالت نائبة الباحث الأساسي في مهمة إنسايت، سو سمريكار «علينا أن نكتشف المريخ أكثر، فنحن لم نرَ سوى 1% من سطحه، سنبحث تحت الطبقة السطحية للمريخ وسنكتشف نسبة 99% من سطحه التي لم نرها من قبل.»

ومن المقرر أن تدرس إنسايت حجم لب المريخ ووشاحه وقشرته وثخانة طبقاته وكثافتها والبنى العامة المكونة لها، وستقيس معدل تسرب الحرارة خارج الكوكب؛ وقال الباحث الأساسي للمهمة، بروس بانيرت «سندرس نبض المريخ بالاستماع إلى زلازله باستخدام مقياس الزلازل، وسنقيس درجة حرارته بمسبار حراري، ونرغب في مشاهدة انعكاسات تجربة راديوية على سطحه، وستجري إنسايت عملية أشبه بأول فحص صحي للمريخ منذ أكثر من 4.5 مليارات عام.»

ولا تتوقف أهداف إنسايت عند هذا الحد، إذ اكتشفت الدراسات الحديثة أثرًا لمياه يُحتمل أن تكون محصورةً في الصخور بالقرب من خط استواء المريخ. وتقضي مهمة إنسايت اكتشاف مكان وجود الجليد وتأكيد توفر مياه جارية تحت سطح الكوكب أو نفي ذلك، فأي معلومات جديدة عن المياه على سطح المريخ مهمة جدًا لمحاولات تشييد مستعمرات عليه.

ويُتوقَّع أن تساعد إنسايت العلماء في الوصول إلى فهم أفضل لآلية تشكل كوكبنا، فحجم المريخ -خلافًا للزهرة والقمر وعطارد- كبير إلى درجة كافية لتجري فيها العملية ذاتها التي شكلت الأرض قبل نحو 4 مليارات عام، وهو أيضًا صغير إلى درجة كافية ليستمر في إظهار آثار تلك العمليات. وسيؤدي اكتشاف المريخ إلى حصول العلماء على معلومات أكثر عن تاريخ كوكبنا وكيفية التحضير للعيش في عوالم خارجية.