نشرت مجلة ذا ساينتيست العلمية بعض النظريات الافتراضية لمجموعة من العلماء المتخصصين في دراسة الفيروسات التاجية، تُبين فيها الأسباب المحتملة لعدم إصابة الأطفال بالأعراض الخطيرة المصاحبة لمرض كوفيد-19  على الرغم من وجود الفيروس بتركيزات عالية في عينات برازهم. وكانت إحدى الدراسات البحثية، قد  أظهرت وجود نتائج إيجابية للإصابة بالفيروس في براز الأطفال لمدة 27 يوم بعد تشخيصهم بالمرض، على الرغم من أن نتائج تحاليل مسحات أجهزتهم التنفسية بقيت سلبية بعد ستة أيام من تشخيصهم.

وأرجع العلماء الأسباب الرئيسة إلى: حداثة أجهزة الأطفال المناعية، والنسبة العالية لمستقبلات إنزيم إيه سي إي2  على الخلايا، وهي المستقبلات التي يستخدمها الفيروس للارتباط بخلايا الرئة لخلع غلافه البروتيني وحقن حمضه النووي داخلها، والتي تنظم في الوقت ذاته الاستجابة المناعية القوية، بالإضافة إلى تعرض الأطفال لإصابات سابقة من فيروسات تاجية أخرى.

وذكر الموقع أنه لم يثبُت وجود أي إصابات بين الأطفال في مدينة ووهان الصينية في الفترة ما بين نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2019 إلى الأسبوع الثاني من يناير/كانون الثاني لعام 2020، إذ أفادت المراكز الصينية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أن من بين 44672 حالة مؤكدة الإصابة بمرض كوفيد-19 كانت نسبة 86.6% من الحالات لأعمار تتراوح ما بين 30 إلى 79 عامًا، وكان كبار السن هم الأكثر عرضة لخطر الوفاة. وفي دراسة أخرى أجريت على 1099مريضًا في الصين، كان 0.9% فقط من الحالات المؤكدة دون سن التاسعة، و تراوحت أعمار 1.2% من المصابين بين 10 و19 عامًا.

وقال عالم الفيروسات روبين شاتوك من كلية لندن الامبراطورية «لا يبدو أن مرض كوفيد-19 يسبب مشكلات خطيرة للشباب وخاصةً الأطفال، وربما يكون الأطفال سببًا رئيسًا في نقل العدوى.»

ويضيف رالف باريك الباحث في الفيروسات التاجية في جامعة نورث كارولاينا أنه وجد ظاهرة مماثلة أثناء دراسته لفيروس سارس كوف-1 المسبب لمرض سارس في بعض الفئران، إذ أظهرت تجاربه أن الفئران الأصغر سنًا تقاوم العدوى والمرض، وفي المقابل ازدادت حالة الفئران الأكبر سنًا سوءًا، إذ أسفرت إحدى تجاربه عن موت خمسة فئران مصابة بمرض سارس تراوحت أعمارها بين ثلاثة وأربعة أسابيع، في حين ماتت كل الفئران التي تراوحت أعمارها بين سبعة وثمانية أسابيع عندما أصيبت بالمرض. ويُعد فيروس سارس كوف-1 ابن العم الأقرب لفيروس سارس كوف-2 المسبب لمرض كوفيد-19.

وقالت عالمة الفيروسات كانتا سوباراو من معهد دوهيرتي في جامعة ميلبورن في أستراليا «إن الفئران البالغة من العمر ستة أسابيع تتعافى من مرض سارس دون أي أعراض سريرية خطيرة، لكن عندما تصاب الفئران البالغة من العمر 12 شهرًا بالفيروس ذاته تظهر أعراضًا سريرية أخطر.»

وأضاف ستانلي بيرلمان؛ اختصاصي المناعة في جامعة أيوا في الولايات المتحدة الأمريكية «تدعم البيانات المأخوذة عن التجارب الحيوانية فكرة أن الأطفال يصابون بالعدوى لكن المرض لا يتطور لديهم، وذلك لتساوي معدلات الفيروس في كلًا من الفئران ذات الأعمار الصغيرة والكبيرة، ومع هذا فإن الصغيرة لا تمرض.»

وتدعم بيانات الجائحة المنتشرة حاليًا نتائج التجارب الحيوانية، إذ عملت إحدى الدراسات البحثية على تحليل 391 حالة مصابة بمرض كوفيد-19، وتتبعت 1286 من الأشخاص المخالطين للمصابين فتبين أن الأطفال يصابون بالمرض، إلا أنهم أقل عرضة لأعراضه الخطيرة.

فرضية شيخوخة الجهاز المناعي

تربط إحدى التفسيرات بين خطورة أعراض مرض كوفيد-19 وعمر الجهاز المناعي، إذ يتابع باريك تصريحاته «تقدم عم الإنسان يصاحبه شيخوخة جهازه المناعي، وفقدان قدرته على الاستجابة بفعالية للأخماج المختلفة.»

لكن بيرلمان يتبنى تفسيرًا آخر وشرحه قائلًا «عندما يزداد عمر الإنسان، تفقد رئتاه استجابتهما السريعة للأخماج الفيروسية، واستدل على ذلك بالنتائج التي حصل عليها فريقه بعدما جعلوا رئتي الفئران الكبيرة أكثر شبابًا باستخدام مركبات البروستاجلاندين  فوجدوا أن الفئران تغلبت على فيروس سارس ولم تمرض.»

ومن جهة أخرى يشير بعض العلماء إلى الدور المهم الذي تلعبه الخلايا التائية في التغلب على العدوى، إذ بينت نتائج التجارب التي نشرها بيرلمان وزملاؤه عام 2010 دور الخلايا التائية في القضاء على فيروس سارس، ويقول «نحتاج إلى أجسام مضادة واستجابة من الخلايا التائية للقضاء على عدوى كوفيد-19، وهذا ما يؤديه الجهاز المناعي لدى الأطفال وتقوم به خلاياهم التائية عالية الكفاءة.» وتؤكد سوباراو رأي بيرلمان بناءً على بحثها المنشور عام 2010 الذي أوضح الدور الذي تلعبه الخلايا التائية المساعدة سي دي4 في تحفيز الخلايا البائية لإنتاج أجسام مضادة للقضاء على الإصابة بمرض سارس في الفئران.

ويقول كينجستون ميلز اختصاصي المناعة في كلية ترينيتي بجامعة دبلن في أيرلندا «ربما تكون الخلايا التائية المتكونة في مراحل العمر الأولى لديها قدرة أعلى في التصدي لمرض كوفيد-19، واقترح أن الإنتاج الزائد للخلايا التائية المساعدة من النوع الثاني في الأطفال ربما تكون المسؤولة عن حمايتهم من الاستجابات الالتهابية ورد الفعل المناعي العنيف تجاه مرض كوفيد- 19 لأن هذه الاستجابات الالتهابية قد تدمر الأنسجة بصورة أكبر من الفيروس ذاته.»

فرضية مستقبلات إيه سي إي 2

يستخدم كلًا من فيروس سارس كوف-1 المسبب لمرض سارس، وفيروس سارس كوف-2 المسبب لمرض كوفيد-19 مستقبلات إيه سي إي 2،إذ ترتبط الأشواك البروتينية للفيروس بهذا المستقبل الموجود على خلايا العائل لتتمكن من خلع غلافها البروتيني وحقن مادتها الوراثية، وتشيع هذه المستقبلات في الجزء السفلي من الرئة، ما يفسر الإصابة بالالتهاب الرئوي والتهاب الشعب الهوائية لدى مرضى كوفيد-19، وأظهرت دراسة حديثة وجود تلك المستقبلات بشكل كبير في الفم واللسان، ما يسهل دخول الفيروس إلى العائل، وعلى الرغم من انخفاض مستويات تلك المستقبلات لدى كبار السن، إلا أن ذلك لا يقيهم العدوى، بل ربما يعرضهم لخطر أكبر، وفقًا لافتراضات باريك وهونجبنج جيا من كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز.

ويستند العالمان في افتراضهما إلى الدور الذي يلعبه إنزيم إيه سي إي2 في تنظيم الاستجابة المناعية والحماية من الالتهابات والتحكم في رد فعل الجهاز المناعي، ولذا فإنه على الرغم من أن نقص مستقبلاته قد يعوق دخول جزء من الفيروسات إلى الخلايا لكنه في الوقت ذاته يجعل الاستجابة الالتهابية ورد الفعل المناعي عنيفًا في أجسام كبار السن ما يتسبب في تدمير الأنسجة وزيادة مضاعفات الإصابة.

أشار العالمان إلى أبحاث عديدة في هذا الصدد، كالدراسة المنشورة عام 2014 وبينت أن إنزيم إيه سي إي2 يمنح حماية ضد إنفلونزا الطيور المميتة، بالإضافة إلى دراسة أخرى بينت أنه يقي من الفشل الرئوي الحاد، وإن إيقاف إنتاجه في الفئران المصابة بفيروس H5N1 أدى إلى إصابتها بفشل رئوي حاد. ولذا فإن وجود مستويات جيدة من هذه المستقبلات لدى الأطفال يساعد في تعزيز فعالية إنزيم إيه سي إي2 الذي ينظم استجابتهم المناعية ويحمى أنسجتهم، ما يفسر الأعراض الطفيفة التي تظهر على معظم الأطفال المصابين بالفيروس.

الأطفال يتعرضون لكثير من الفيروسات التاجية؟

تقول سوباراو «توجد أربعة أنواع أخرى من الفيروسات التاجية التي تشيع بين الأطفال، وجميع أعراضها مشابهة لنزلات البرد العادية، وربما تتسبب البروتينات المناعية التي يحصل عليها الأطفال من تلك الفيروسات بتخفيف أعراض مرض كوفيد-19 لديهم.»

وأضاف باريك «من السابق لأوانه أن يجزم أحد بالسبب الرئيس لانخفاض حدة مرض كوفيد-19 في الفئران الصغيرة أو في الأطفال، فما زال الموضوع قيد البحث والدراسة.»