تتطور أنظمة الرعاية الصحية في مختلف أنحاء العالم متعرضة لضغوطات متعلقة بتوفير خدماتٍ عالية الجودة تواكب أخر مستجدات الثورة الرقمية، في ظل معطيات جديدة؛ أبرزها الزيادة السكانية وارتفاع معدل الشيخوخة.

ووفقًا للأمم المتحدة، يُتوقَّع أن يصل عدد سكان العالم إلى نحو 10 مليار شخص بحلول العام 2050؛ 75% منهم يعيشون في المدن. في حين تساهم عوامل ارتفاع معدل الشيخوخة والتغيرات في السلوك المجتمعي، بشدة، في الزيادة المطردة للحالات المزمنة؛ مثل أمراض القلب وأمراض الجهاز التنفسي، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على خدمات رعاية صحية أكثر كفاءة وتكاملًا.

ونتيجة لذلك، وبزيادة الضغط على مواردنا البشرية والمالية -المنهكة أصلًا- أصبح العالم بحاجة ماسة إلى نظام جديد، يحقق نتائج صحية أفضل، ويقلل تكاليف الرعاية الصحية، ويحسن وضع العاملين في القطاع الصحي والمرضى.

واقع الحال في العالم العربي

ويواجه سكان المنطقة البالغ عددهم أكثر من 411 مليون نسمة، زيادة حادة في الأمراض المزمنة؛ مثل السكري والسمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية، جراء التغيرات في أنماط الحياة؛ من سوء التغذية ونقص التمارين الرياضية وقلة النوم الجيد والتوتر الزائد.

ووفقا لتقرير صدر حديثًا، عن وكالة كوليرز إنترناشيونال، يُتوقَّع أن ترتفع نسبة مرضى السكري في العالم العربي، لتصل إلى 110%، بعدد إجمالي يبلغ 82 مليون مريض، خلال الأعوام الـ 26 المقبلة، ما يؤثر بشدة على معدلات الوفاة، والناتج المحلي الإجمالي وتكاليف الرعاية الصحية.

تنامي الاهتمام بالرعاية الصحية

وعلى الرغم من أن أنظمة الرعاية الصحية في العالم العربي، كانت متأخرة عن الممارسات الدولية ومعايير الجودة في الماضي، إلا أن استثمارات كبيرة في الأعوام الأخيرة، سُخِّرت لخدمة قطاع الرعاية الصحية المتنامي؛ وبشكل خاص في دول مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس زيادة الاهتمام بالقطاع، والوعي بضرورة رفع الجاهزية بهدف التصدي للزيادة الحادة في الأمراض المزمنة، وتعزيز سبل الوقاية والتدخل السريع في مراحل مبكرة.

ونفذت دول مجلس التعاون الخليجي خطوات عملية، ترمي إلى رفع سوية الوعي الشعبي، ونشر عادات معيشية أكثر صحة واستدامة، وتحسين سلامة المرضى، وتقليل التكاليف إلى الحد الأدنى، وزيادة إمكانية الحصول على الرعاية الصحية. فضلًا عن ضخ استثمارات بقيمة مليارات الدولارات في القطاع الصحي.

التقنية في خدمة الصحة

ودخلت التقنيات الحديثة بقوة في مجال تطوير القطاع الصحي، وأصبح الوصول إلى مستقبل صحي أفضل، أكثر واقعية. وشهد القطاع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي والمعزز، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وإنترنت الأشياء، والروبوتات، وتقنية النانو، وتصميم المنتجات الطبية، فضلًا عن تصميم غرف المستشفيات لتحسين رفاهية المرضى. وشجعت دول مجلس التعاون الخليجي متخصصي الرعاية الصحية على التعاون الكامل مع هذه التقنيات، لتحويل أنظمة الرعاية الصحية غير المستدامة إلى أنظمة مستدامة.

وساهمت الثورة الرقمية أيضًا، في تنظيم العلاقة بين العاملين في القطاع والمرضى، ووفرت علاجات أقل تكلفة وأسرع وأكثر فعالية، في التصدي العالمي لأمراض؛ مثل نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) وأيبولا، وحاليًا ضد كوفيد-19، للوصول إلى مجتمعات متعافية صحيًا.

وذكر تقرير صادر عن مركز ديلويت للحلول الصحية، إن معظم دول المنطقة أعطت رفع سوية الرعاية الصحية، أولوية قصوى، ما حقق قفزات نوعية من ناحية التحسين والابتكار والاعتماد على التقنية.

ويحتل توفير مزيد من الأدوية الدقيقة جزءًا كبيرًا من خدمات الرعاية الصحية، وبما أن الطب حاليًا، يستخدم نهجًا واحدًا يناسب الجميع في التشخيص والوصفات الطبية، أي أن 90% من الأدوية التقليدية، تناسب 30 إلى 50% من المرضى فقط. يبرز دور التقنيات الحديثة القائمة على الذكاء الاصطناعي، لتسهم في اكتشاف أدوية جديدة، واتخاذ قرارات سريرية وتشخيصية رئيسة.

ووفقًا لتقرير نشره موقع هارفرد بزنس ريفيو، فإن الذكاء الاصطناعي يساعدنا في تشخيص الأمراض استنادًا إلى تكامل جميع بيانات المريض والأفكار المتعلقة بوقت اتخاذ القرار، ما يساهم في تعزيز دقة الرعاية الصحية وعلميتها، والوصول إلى العلاج المناسب في الوقت المناسب، فضلًا عن خفض التكلفة، وتحليل كميات هائلة من البيانات، في فترات وجيزة.

وخطت دولة الإمارات العربية المتحدة - بالفعل- خطوات مهمة، في طريقها لتعزيز دور الذكاء الاصطناعي، ودعم اقتصاد المعرفة، بما يواكب استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي 2031. وبعد تعيين وزير دولة للذكاء الاصطناعي، كان أحد الأهداف الرئيسة، إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف القطاعات؛ بما فيها الرعاية الصحية.

وحولت هيئة الصحة بدبي على سبيل المثال بالفعل جميع سجلات المرضى في الإمارة إلى نظام غير ورقي بالكامل في العام 2017، وبتفعيل برنامج سلامة حولت الهيئة أكثر من 1.4 مليون سجل و112 مليون معاملة إلى الصيغة الرقمية، ويضم النظام 25 تطبيقًا منفصلاً في بوابة واحدة، ما يساعد الطواقم الطبية في الوصول بسهولة إلى البيانات، فضلًا عن إصدار البرنامج لتنبيهات في الوقت الحقيقي، وتحذيرات تلفت الانتباه إلى التغييرات الضرورية في دواء المريض أو حالته.

تمكين المريض عبر الوسائل الرقمية

وتحسن التقنيات الرقمية تجربة المريض، من خلال خدمات متعددة؛ تشمل إرسال نتائج الاختبارات والفحوصات والأدوية والتذكير بالمواعيد رقميًا، بالاعتماد على بوابات الويب المعززة وتطبيقات الهاتف النقال.

ودخلت إلى العالم العربي تطبيقات عديدة، تهدف إلى تطوير سوق التقنية وتعزيز الرعاية الصحية. وابتكرت منصة هيلثيغو التي تتخذ من دبي مقرًا لها، طريقة تساعد المرضى على استعادة سجلات صحة عائلاتهم بدقة، والإبلاغ عن حالات الطوارئ، وتحديد المواعيد، وتلقي الأخبار الصحية الشخصية والتذكير بمواعيد الأدوية.

الخدمات الصحية عن بعد

وتساعد التقنيات المُبتكَرة أيضًا، في تفعيل خدمات الرعاية الصحية عن بُعد؛ وأطلقت المملكة العربية السعودية، في الأعوام الأخيرة، مشروعًا للصحة الإلكترونية مدته 10 أعوام، لرقمنة خدمات الرعاية الصحية، وربطت وزارة الصحة بين موظفي الرعاية الصحية والمرضى، من خلال منصة موحدة مركزية، باستخدام منتجات من شركة بي إم سي الأمريكية للبرمجيات.

نمو

وتوقع تقرير أصدرته شركة فيتش سلوشنز، حديثًا، نمو سوق الرعاية الصحية في العالم العربي، ليصل إلى 243.6 مليار دولار، بحلول العام 2023، بإجمالي نمو يصل إلى 11.7% سنويًا، وسط آمال بثورة رعاية صحية جذرية لم تشهدها المنطقة من قبل.