الفائض والندرة

تنمو على كوكب الأرض اليوم غلال أكثر من الماضي، وعلى الرغم من ذلك، يتضور ملايين الناس جوعًا في كل أنحاء العالم. وينتشر الجوع في كل مكان، من القرى إلى الضواحي. لكن المدن أصبحت إحدى الخطوط الأمامية في محاربة الجوع. ونتيجة لتزايد عدد سكان المدن يجد عدد أكبر من الناس أنفسهم في «صحاري الغذاء،» وهي المناطق التي «يتوفر فيها عدد محدود من متاجر البقالة والسوبرماركت وغيرها من مصادر الغذاء الصحي بأسعار معقولة،» وفقًا لتقرير وزارة الزراعة الأمريكية.

إلا أن التقنيات الجديدة بدأت بتغيير المعادلة، وأصبحت تتيح للناس زراعة الأغذية في أماكن كان يصعب فيها ذلك أو يستحيل، وبكميات تماثل المزارع التقليدية.

تحسينات كبيرة للزراعة

توجد نماذج متعددة من المزارع الحضرية، فمنها البسيطة ومثلها الحدائق المجتمعية التقليدية الصغيرة، ومنها المعقدة ومثلها المزارع العمودية الداخلية التي يستخدمها المزارعون لزيادة المساحة في الأبعاد الثلاثة. وتصمم تلك المزارع المعقدة والمستقبلية بطرائق عدة، لكن معظمها يتضمن صفوفًا من الرفوف المليئة بالنباتات التي تضرب جذروها في التربة أو الماء الذي يحتوي على المغذيات. وتجهز كل طبقة بإضاءة من الأشعة فوق البنفسجية لمحاكاة تأثير الشمس. وخلافًا للزراعة التقليدية التي تتأثر بحالة الطقس، تتيح الزراعة الداخلية للمزارعين تكييف الظروف لتحسين نمو النباتات.

وتساعدنا التقنيات المناسبة بأن نزرع في أماكن متنوعة غير مألوفة. وهذا ما يظهره الاتجاه الجديد للزراعة الحضرية. ولا تقتصر هذه المزارع على حدائق الخضروات المجتمعية البسيطة، بل تسعى أيضًا لتوفير الغذاء للمستهلكين في المناطق المحيطة. وكل ما تحتاج إليه تلك المزارع العمودية بعض المساحة والكهرباء، ولا تحتاج إلى مرافق خاصة. ويستطيع المزارعون شراء كل ما يحتاجونه لبدء مزارعهم وصيانتها عبر الإنترنت بسهولة.

ونتيجة لسهولة توفر معدات تأسيس تلك المزارع، تصعب معرفة عدد المزارع الحضرية في الولايات المتحدة الأمريكية. وتلقت دراسة استقصائية أجراها المركز الوطني الأمريكي للتقنية الملائمة في العام 2013، 315 ردًا من أشخاص يشغلون مرافق وصفوها بالمزارع الحضرية أو مزارع الضواحي. لكن المنح الفدرالية للتنمية الزراعية تظهر وجود آلاف المستفيدين، ما يشير إلى أن عدد المزارع الحضرية قد يكون أكبر بكثير.

وقال ديف هايدر، رئيس شركة أوربان أورجانيكس، وهي شركة تدير مزارع حضرية مقرها سانت بول في ولاية مينيسوتا، لموقع فيوتشرزم «علينا رؤية هذه المرافق بالمتر المكعب بدلًا من المتر المربع. وبإمكاننا جمع كثير من المنتجات في منشأة كهذه.» ووفقًا لدراسة لمجلة الدراسات الزراعية في العام 2014، تتيح التقنية لأصحاب المزارع العمودية السيطرة على بيئة مزارعهم، ما يتيح لهم إنماء محاصيل أكثر في المساحة ذاتها.

حقوق الصورة: أوربان أورجانيكس

ولا تقتصر المزارع الحضرية على الفواكه والخضروات. وتزرع أوربان أورجانيكس ثلاثة أنواع من الكرنب الأجعد، ونوعين من السلق السويسري، والبقدونس الإيطالي والكزبرة، لكنها تستخدم المياه ذاتها لتربية سلمون القطب الشمالي والسلمون الأطلسي، ضمن نظام حلقة مغلقة يسمى الزراعة المائية النباتية الحيوانية. وتخصّب مخلفات الأسماك النباتات، التي تنظف بدورها المياه وتصفيها قبل أن تعود إلى الأحواض الزراعية، وتنتهي القطرات الزائدة في أحواض الأسماك.

وافتتحت أوربان أورجانيكس أول مزرعة لها في العام 2014 داخل مجمع كان سابقًا مصنعًا للمشروبات. وفي الأعوام التي تلت ذلك، قدمت الشركة الغذاء لمن يحتاجون إليه؛ ومنهم من يعيشون في صحاري الغذاء في منطقة منيابولس سانت بول. وفي العام 2014، صنفت صحيفة الجارديان الشركة ضمن المشاريع العشرة الأكثر ابتكارًا للزراعة الحضرية في العالم.

وقال هايدر إن «محاولة تحسين بسيطة لهذا القطاع، وخاصة عندما يتعلق الأمر بصحاري الغذاء، من أهم العوامل التي دفعتنا لإنشاء أول مزرعة من هذا النوع في إحدى صحاري الغذاء.» وتبيع شركة أوربان أورجانيكس منتجاتها لتجار التجزئة المحليين، وتوفر أسماك محلية المصدر للمطاعم القريبة. وأضاف هايدر «كان ذلك نهجنا تقريبًا؛ فلنحاول زراعة المنتجات وإنتاج بروتين عالي الجودة في المنطقة التي تحتاج إليها أكثر من غيرها.» ونتيجة لتزايد هجرة السكان إلى المدن، ستتفاقم مشكلات كثيرة ومنها ندرة الغذاء.

والمزرعة العمودية صديقة للبيئة أيضًا. وتنجم عن نظم الزراعة المائية النباتية الحيوانية نفايات قليلة جدًا. وتتيح الزراعة العمودية للمزارعين استخدام للمساحات المحدودة المتوفرة لديهم بكفاءة أكبر، لذلك نستطيع الاستفادة من المساحة المحدودة بصورة أفضل بدلًا من البحث عن مزيد من الأراضي الصالحة للزراعة، ما يبقي النظم البيئية سليمة. ويسهم إنشاء هذه المزارع قرب البائعين والمستهلكين في أن تصل المنتجات طازجة أكثر، ويقلل الاعتماد على شاحنات النقل، ما يسهم بدوره في التخفيف من حدة التلوث والاحترار العالمي.

ما الضرر من إنشاء المزارع الحضرية؟

نتيجة لهجرة الناس في جميع أنحاء العالم إلى المدن، تنتشر المراكز الحضرية لاستيعابهم. ويعني ذلك غالبًا بناء المساكن والمتاجر على الأراضي الزراعية السابقة. ففي نيو جيرسي، أصبحت مدن عديدة مثل كامدن وترينتون أكثر اكتظاظًا بالسكان وتحولت إلى مساحات حضرية.

وقد تحد الزراعة العمودية من زحف المدن. وقال بول جوتييه، خبير الزراعة العمودية في معهد برينستون البيئي، لموقع فيوتشرزم «قد تأتي المزارع العمودية إلى هذه المناطق لإعادة استعمار المدن، واستخدام المساحات التي لا تستعمل لإنتاج أي شيء.»

لكن إنشاء مزرعة حضرية ليس مهمة سهلة؛ فإيجاد مساحة كافية بسعر معقول قد يشكل عائقًا كبيرًا أمام المزارعين المحتملين. ويحتاج أصحاب المزارع العمودية أيضًا إلى معرفة كيفية تشغيل التقنيات الحديثة، ومنها النظم التي تتحكم بعناصر معينة كملوثات التربة وتوفر المياه، والتي تتولى الطبيعة أمرها في المزارع التقليدية.

حقوق الصورة: جيتي إيماجز

وبدأت الشركات بمساعدة المزارعين في المناطق الحضرية على إنشاء مزارعهم وتشغيلها. وتساعد شركة «أجريتكتشر كونسلتينج» ومقرها بروكلين، الأشخاص والمنظمات الذين يريدون إنشاء مزارعهم العمودية بإجراء أبحاث السوق والتحليلات الاقتصادية، وتصميم المزارع وهندستها. وأتمت الشركة بنجاح أكثر من اثني عشر مشروعًا حتى اليوم، وأنشأت مزارع في كل أنحاء العالم، وضمنها مزارع في أطراف مانهاتن وبروكلين. وتتجاوز فوائد الزراعة الحضرية الجوانب الملموسة للنمو الغذائي في المناطق المحرومة، إذ أن لها أثر جانبي إيجابي من ناحية الإنماء المجتمعي.

المجتمعات المتنامية

افتتحت أوربان أورجانيكس منشأة جديدة الصيف الماضي تمتاز بأنها أكبر بكثير من المواقع الأخرى للشركة، وستنتج أكثر من 124,700 كيلوجرامًا من الأسماك الطازجة وحوالي 215,500 كيلوجرامًا من المنتجات الزراعية للمناطق المجاورة كل عام.

ويخضع مجمع المشروبات السابق الذي أنشئت فيه المزرعة الجديدة لعمليات تجديد، لإضافة مجمعات سكنية وقاعة طعام، وفقًا لبيان صحافي وصلت نسخة منه لموقع فيوتشرزم عبر البريد الإلكتروني. وأظهر هايدر حماسه لإمكانات المنشأة الجديدة وتأثيرها على المنطقة النامية، وقال «أوجد عملنا وظائف جيدة برواتب عالية وخدمات طبية متنوعة، فهذه الوظائف لم تكن موجودة في المنطقة قبل مشروع أوربان أورجانيكس، ونحن فرحون بذلك.»

وسيسهم جلب الأغذية والوظائف إلى هذه المناطق في تحقيق اكتفائها الذاتي. وقال هايدر «حالما ننتهي من ذلك، سنسعى إلى إيجاد مناطق أخرى لتكرار التجربة مجددًا.»

ويساعد دعم الأفراد لدخول مجال الزراعة الحضرية في تعزيز لحمة المجتمع أيضًا. ويملك هنري جوردون سميث، المؤسس المشارك لشركة أجريتيكتشر ومديرها، مشروعًا جانبيًا محببًا له اسمه «بلاس فارم،» وهو موقع للأفراد والمجموعات الصغيرة الذين يسعون لإنشاء مزارعهم الحضرية. وقال لفيوتشرزم «هذه طريقتي لإضفاء طابع ديمقراطي على هذه الأنشطة الممتازة. وهي طريقة رائعة لتحفيز الناس لبدء أعمالهم واختيار نهجهم الخاصة، وهو ما أريد حقًا أن أراه.» ويتيح الموقع للمزارعين تطوير أساليبهم الخاصة في استخدام الأضواء والحساسات وتقنيات الزراعة والمشاركة بها على منتدى الموقع. وهكذا نطور ممارسات قديمة كالزراعة بالأدوات الحديثة.

مزارع المستقبل

سيستمر الناس في دراسة الممارسات الزراعية في المناطق الحضرية وتعديلها، وسنتعلم أكثر عن الفوائد التي سيجلبونها إلى المناطق المحيطة بهم والعالم كاملًا. وقد تجبر البيانات المتعلقة بكيفية تأثير المزارع الحضرية على مجتمعاتها المحلية المشرعين على دعم المزارع الحضرية وزيادة الاستثمار فيها. وخطط جوردون سميث لمشروع جانبي آخر لهذا الغرض؛ مبنى أو حي كامل لاختبار تقنيات الزراعة الحضرية وجمع البيانات بصورة موازية. وعلى الرغم من أنه لم يحدد الموقع بعد، تلقى جوردون سميث مساهمةً بقيمة مليوني دولار من رئيس مقاطعة بروكلين إريك آدمز، وقدم أيضًا اقتراحه إلى مجلس مدينة نيويورك. وينتظر أن تنظر لجنة استخدام الأراضي في هذا المقترح، ولا يوجد أي مؤشر عن موعد البت فيه.