جزء من الثانية

تشكل عدسة الجاذبية ظاهرة غريبة يتشوه فيها نسيج الزمكان وينحني، ويشير تأثير عدسة الجاذبية أيضًا إلى خصائص ترتبط بالمادة المظلمة الخفية، ويمثل هذا الانحناء الزمكاني إحدى تنبؤات آينشتين في نسبيته العامة. ويعكف علماء الفلك على دراسة الصور التي تظهر تأثيرات عدسة الجاذبية نظرًا لما تحمله هذه الظاهرة من تفرد، وما يمكنها إخبارنا عن الكون.

وقد يلجأ الباحثون للذكاء الاصطناعي لدراسة الظاهرة بصورة أسرع، إذ صرح لورنس بيرولت ليفاسور؛ زميل ما بعد الدكتوراه، في بيان صحفي «يمكن إجراء التحليلات التي تستغرق عادة من أسابيع إلى أشهر، وتتطلب مساهمة الخبراء وقدرة حاسوبية خلال فترة زمنية لا تتعدى جزءًا من الثانية اعتمادًا على الشبكات العصبية وذلك من خلال وسيلة مؤتمة تمامًا باستخدام رقاقة حاسوبية لهاتف معين.»

وشارك لورنس في تأليف دراسة نشرتها مجلة «نيتشر» نوقشت فيها أعمال فريق من معهد كافلي للفيزياء الفلكية الجزيئية وعلم الكونيات «كي آي بيه إي سي» ويمثل المعهد جهدًا مشتركًا بين مختبر المسرع الوطني «إس إل إي سي» التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، وجامعة ستانفورد.

دأب الباحثون على تدريب شبكة عصبية اصطناعية عبر تعريضها لنصف مليون صورة تحاكي تأثير عدسة الجاذبية لما يقارب اليوم، ثم عرضت لصور حقيقية التقطت حديثًا لتأثيرات عدسات الجاذبية، ما مكنها من تحليل تشوهات الزمكان أسرع عشرة ملايين مرة من الطرائق التقليدية.

ويتسم هذا الإنجاز بالأهمية، فعادة ما استغرقت الطرائق التقليدية أسابيع أو أشهر في تحليل تأثيرات عدسة جاذبية واحدة فقط اعتمادًا على عمليات المحاكاة الحاسوبية والنماذج الرياضية، ولكن عند الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، فإن العملية ذاتها لم تستغرق أكثر من نصف ثانية.

وأضاف فيل مارشال؛ مؤلف مشارك في الدراسة وأحد العلماء في معهد كافلي «كي آي بيه إي سي» «تتميز الشبكات العصبية بقدرتها على تعلم المقومات الواجب البحث عنها ذاتيًا، فتضاهي الكيفية التي يتعلم بها الأطفال تمييز الأشياء، فلا تخبرهم تمامًا كيف يبدو الكلب؛ ولكن عوضًا عن ذلك فإنك تبين لهم صورًا للكلاب.»

منافع الذكاء الاصطناعي

ينشأ تأثير عدسة الجاذبية عندما ينحني الضوء القادم من مصدر بعيد أو يتشوه نتيجة للمادة المتوزعة بين مصدر الضوء والأرض، وعادة ما يأتي مصدر الضوء من عناقيد مجرية. ويتيح هذا التأثير أدلة عن كيفية توزع الكتلة في الفضاء، وتغيرها بمرور الزمن.

وظف باحثو مختبر المسرع الوطني «إس إل إي سي» الذكاء الاصطناعي في دراستهم لتأثير عدسة الجاذبية، غير أنها ليست المرة الأولى التي يوظف فيها الباحثون ذكاءً اصطناعيًا لدراسة هذه الظاهرة، فاستخدمت شبكات عصبية في أعمال سابقة لتحديد ما إذا أظهرت صورة ما تأثيرًا لعدسة الجاذبية أم لا، باستثناء أن هذه الدراسة الجديدة ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ صرح ياشار حيزافي؛ المؤلف الرئيس للدراسة في بيان صحفي «استخدمنا في دراستنا ثلاث شبكات عصبية متوفرة بصورة عامة، وطورنا شبكة أخرى بأنفسنا، وأظهرت هذه الشبكات العصبية مجتمعة قدرة على تحديد خصائص كل تأثيرٍ على حدا، ويشمل ذلك كيفية توزع الكتلة ومدى مساهمتها في تضخيم صورة المجرة الموجودة خلفها.»

وعلاوة على ذلك، استخدم الباحثون الشبكات العصبية ذاتها في إيجاد درجة عدم التيقن في دراستهم، ونشروا نتائجهم في دراسة أخرى في مجلة «أستروفيزيكال جورنال لاترز

لا ريب أن أنظمة الذكاء الاصطناعي هُيّئت لإنجاز المهام بصورة أفضل من البشر، سواء اقتصرت تلك المهام على ألعاب لوحية قديمة أم ألعاب فيديو حديثة، وهذا يعني أننا سنتمكن بمساعدة الذكاء الاصطناعي من إنجاز أعمال معينة بصورة أفضل، كقيادة السيارات أو تيسير مختلف المجالات البحثية.