أدى دمج القدرات التقنية في قطاع الرعاية الصحية إلى تحولات سريعة في مجال الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم، فأصبح بإمكان المرضى الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية عن بُعد بفضل رقمنة الصناعة وظهور الطب عن بعد. ويتيح ذلك الحصول على استشارات طبية فورية ومراقبة المرضى عن بُعد، وخاصةً ممن يعانون من حالات مزمنة ولا يستطيعون مغادرة المنزل. ويخفض التطبيب عن بُعد التكاليف وأزمنة الانتظار كثيرًا على مقدم الرعاية الصحية والمريض، ويقلل الضغط على الخدمات الحيوية، ومنها غرف الطوارئ.

تزايد الطلب في ظل كوفيد-19

يُتوقَّع أن ينمو الطب عن بعد كثيرًا في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد. وتؤدي القيود المفروضة على حركة الأشخاص بسبب خطر الفيروس إلى زيادة الطلب على خدمات الرعاية الصحية عن بعد. ولهذا، توقعت شركة ماكينزي الاستشارية تحول 250 مليار دولار من الإنفاق على الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها إلى نماذج الرعاية الافتراضية. وتظهر الاتجاهات الحديثة أن الطلب على الطب عن بعد سينمو بصورة هائلة خلال الأعوام المقبلة. وتولي حكومات دول مجلس التعاون الخليجي قطاع الرعاية الصحية اهتمامًا بالغًا وخاصة بعد أزمة كوفيد-19، وترى فيه قطاعًا استراتيجيًا يتوقع أن يحقق النمو بمعدلات عالية.

وبدأ التحول نحو الخدمات عن بُعد على الصعيد الإقليمي بالفعل في دولة الإمارات، إذ أطلقت أستر دي إم للرعاية الصحية وهيلث هب من الفطيم حلولًا للطب عن بعد، وتخطط حكومة دولة الإمارات لإطلاق مستشفى افتراضي.

الحاجة إلى منظومة بيئية للتقنيات الصحية

ما زال التوجه نحو الطب عن بعد في بداية الطريق، ويتطلب تصميم نظام بيئي كامل لدعم تطويره. ولم تتحقق بعد الفوائد الكاملة له، بدءًا من الجوانب التنظيمية إلى التقنيات اللازمة. وبفضل التقنيات الحديثة، ومنها بلوكتشين والذكاء الاصطناعي والأجهزة القابلة للارتداء، سيوفر الطب عن بعد فوائد عديدة لجميع الجهات المعنية مع توفير الخدمات الصحية لجميع السكان وتحسين رعاية المرضى وتقليل الوقت والتكاليف.

مجالات نمو الطب عن بعد

ما المجالات الحاسمة للنمو التي يجب على ممثلي الصناعة التركيز عليها، والتي ستكون المفتاح لتطوير صناعة التقنيات الصحية؟ هذه بعض التقنيات الرئيسة التي ستقود مستقبل الرعاية الصحية.

السجلات الصحية الإلكترونية وتقنية بلوكتشين

إذا أردنا أن تزدهر الرعاية الصحية الرقمية، فيجب أن تكون سجلات المرضى الإلكترونية العمود الفقري للصناعة. ويعتمد القطاع الصحي، من السجلات الطبية الفردية إلى نتائج الفحص وإعداد الفواتير الطبية، على إمكانية جمع معلومات المرضى ومشاركتها إلكترونيًا. وتنطوي مشاركة المعلومات الشخصية على مخاوف مرتبطة بخصوصية البيانات، وهنا يأتي دور تقنية بلوكتشين. وتبعًا لذلك، أطلقت دولة الإمارات استراتيجية الإمارات للتعاملات الرقمية 2021 (بلوكتشين) للترويج لاستخدام تقنية بلوكتشين في المعاملات الحكومية، لتوفير أقصى قدر من الأمان عند تخزين البيانات الحساسة. وتبنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع في دولة الإمارات تقنية بلوكتشين بإطلاق منصة لتخزين بيانات الرعاية الصحية والبيانات الصيدلانية. وعلى الرغم من أن تقنية بلوكتشين ما زالت في بداياتها، فإنها اجتذبت مزودي التأمين الصحي وشركات الأدوية للاعتماد عليها، ويفتح الاعتماد المتزايد على هذه التقنية وأشباهها فرصًا إيجابية لكل من شركات تقنية المعلومات الرائدة والمعنيين في قطاع الرعاية الصحية. ويُتوقَّع أن يتجاوز قطاع الرعاية الصحية المعتمد على بلوكتشين 500 مليون دولار بحلول العام 2022، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 61.4% بين العامين 2018 و2022.

الصحة الجوالة

الصحة الجوالة مجال فرعي للطب عن بُعد، يعبّر عن التطبيقات الطبية المستخدمة لتوفير الرعاية الصحية. يحظى هذا القطاع برواج خاص في مجال الرعاية الوقائية، وهو مجال التركيز الرئيس لدولة الإمارات والحكومات الإقليمية في ظل ارتفاع معدلات الإصابة بالسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية لدى السكان. وتوفر التطبيقات الصحية وسيلة ملائمة لمشاركة معلومات الرعاية الصحية الأساسية مع المواطنين والمقيمين، بفضل الانتشار الواسع للهواتف الذكية. وأُطلِقت تطبيقات كثيرة الرعاية الصحية في دولة الإمارات، ومنها التطبيق الذكي اطمئنان في العام 2017، والمصمم للوقاية من الأمراض غير السارية. وتشمل التطبيقات الأخرى تطبيق "نمط حياتي" وتطبيق "أبطال الصحة" وتطبيقات كوفيد-19 التي أُطلقت حديثًا. وتسعى دولة الإمارات كي تصبح مركزًا للشركات الناشئة في قطاع التقنيات الصحية، وتوفر فرصًا جذابة في قطاع الصحة الرقمية، والتزمت أبوظبي بإنفاق 250 مليون دولار على الشركات التقنية الناشئة في العام 2019.

التشخيص الدقيق

التشخيص عن بعد وبدقة مجال فرعي لقطاع الرعاية الصحية، وحظي حديثًا باهتمام كبير لدى المبتكرين. ويتيح للأطباء توفير الموارد الثمينة، ووضع المرضى في برامج العلاج المناسبة، ما يحسن رعايتهم بصورة كبيرة، وكل ذلك بفضل القدرات التشخيصية المحسنة. وتتضمن أساليب التشخيص المحسن تطبيق تقنيات عدة في عملية التشخيص. وتقدم شركة كوانتريوم بلوكتشين سولوشنز التقنية الناشئة في دولة الإمارات ابتكارات متعددة في هذا المجال، بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء الطبية وبلوكتشين والروبوتات والواقع المعزز والواقع الافتراضي لتصميم الحلول، ومنها التشخيص ثلاثي الأبعاد وسجلات المرضى وغيرها من منصات إدارة الرعاية الصحية. وتوفر هذه الحلول دقة في التشخيص تصل إلى 98%، ما يحد من الأخطاء البشرية في تشخيص الحالات الطبية. وسيكون التشخيص الدقيق أهم في الحالة التي يكون فيها الفاحص الطبي غير قادر على التفاعل مع المريضه مباشرة.

الأجهزة والحساسات القابلة للارتداء

أصبحت الأجهزة القابلة للارتداء شائعة لدى الشركات التقنية، ومنها سامسونج وآبل، وأصبحت أداة شائعة للمهتمين بالصحة، إذ تقيس مستويات النشاط ومعدل ضربات القلب وغيرها. وتطورت التقنية أكثر، وأصبح بإمكان الأجهزة القابلة للارتداء قياس بيانات متخصصة أكثر، ومنها ضغط الدم ومستويات السكر وتشبع الأكسجين، ما يتيح تقديم نصائح وقرارات طبية أفضل. وتتيح هذه الأدوات أيضًا للمصابين بأمراض مزمنة إيصال المعلومات الطبية المهمة لمقدم الرعاية أو الطبيب المتخصص، ما يحد من الحاجة إلى معاينة الطبيب شخصيًا، ويتيح للمرضى إدارة حالتهم الطبية. ويتيح دمج قطع إضافية، ومنها حساس فيليبس الحيوي القابل للارتداء والشرائح الإلكترونية، مع الأجهزة القابلة للارتداء الاستفادة من البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتقدم هذه الفئة من أجهزة الرعاية الصحية وظيفة تنبؤية أو تحذيرية للمرضى عن حالتهم الصحية. ويُتوقَّع أن تبلغ قيمة هذه السوق نحو 46.6 مليار دولار بحلول العام 2025.

الطب عن بعد في المستقبل

ستطلق دولة الإمارات قريبًا أول مستشفى افتراضي، ويوفر عدد كبير من مقدمي الخدمات الصحية اليوم خدمات الرعاية الصحية عن بعد، ما يبشر بمستقبل الرعاية الطبية عن بُعد. وبفضل الاستثمار الإقليمي الواسع والاهتمام بهذا القطاع، يسير وفقًا لمسار تصاعدي نتيجة لتزايد الطلب. ويعتمد هذا القطاع اليوم على الابتكار التقني ليتطور وتنتشر خدماته الإقليمية في الأعوام المقبلة.