إجتمع حشدًا من المفكرين والمبدعين في معرض «بي إس ون» في متحف الفن الحديث لمناقشة الموضوع الذي يفرض ذاته على سكان المدن، إنه العيش الحضري المستدام.

شدد الحشد الذي ضم مسؤولين في الأمم المتحدة ومؤسسين لشركات ناشئة على الحاجة الماسة إلى إنشاء مدن تتمتع بقدرة أكبر على تأمين السكن لمليارات الأشخاص وإطعامهم وتوظيفهم في عصر النمو الحضري السريع وتغير المناخ الذي نشهده الآن.

وأشار المتحدثون إلى الضرورة الملحة لتحقيق هذا الهدف، وقدم مدير قسم البيئة في الأمم المتحدة «كريستوفر وليامز» إحصاءات مهمة للحاضرين تتوقع أن يقطن في المدن 75% من سكان العالم بحلول العام 2050، ما يعني تضاعف حجم بعض المدن في غضون بضعة عقود.

فهل هذا هو مصيرنا المحتوم؟ كان هذا هو السؤال الذي يدور في أذهان الجميع من متحدثين وجمهور. وعلى الرغم من أن معظمهم أقر بأن بعض الكوارث الطبيعية بدأت تحدث فعلًا نتيجة أعمالنا، أبت طاقة المبدعين الحاضرين ممن يؤمنون بالفرص الهائلة المتاحة، إلا أن ترى بصيص أمل لا بد من التشبث به بإعادة رؤية للمستقبل.

وأحد أهم القطاعات التي تحاول إعادة تصور مستقبل مستدام لها هو قطاع العمارة. إذ شجع المهندس المعماري وخبير البناء المستدام «إريك كوري فريد» الحضور على إعادة النظر في قطاع البناء والعمارة. واقترح الاستعانة بفكرة دمج مجالات متعددة معًا؛ مثل دمج علم الأحياء التركيبي مع تصميم المباني التي تنمو وتنتج وتغذي سكانها. ليصبح بوسعنا العيش في مساحات داخلية ذات أجواء صحية لا تقل نقاء عن أي منطقة خارجية في الهواء الطلق. ولا ريب أن هذه الفكرة طرحت في المكان المثالي، مثلما أشار أمين المعرض «شون أندرسون» للحضور؛ فمعرض «بي إس ون» في متحف الفن الحديث استضاف فعلًا معارض لأفكار مستقبلية، مثل مزرعة خضروات عالية الارتفاع استخدم في تصميمها وإنشائها مواد أعيد تدويرها. وبوسع هذه المزرعة تزويد المدارس المحلية بمنتجات طازجة..

ويبدو أن التوقيت مناسب أيضًا لمباشرة المفكرين ذوي المبادرات بإطلاق مشاريع وأعمال قادرة على دعم الاقتصاد الصديق للبيئة. فمثلًا، شرحت «أماندا ويكس» المديرة التنفيذية لشركة «إندستريال/ أورجانيك» عن شركتها التي ساهمت في تأسيسها، مبينة أنها شبكة من معامل التكرير الحيوية الحضرية، تستخلص المواد الكيميائية العضوية ومكوناتها من نفايات الطعام. وتحدث «باهيج شانسي» أيضًا عن «جرين سيتي فورس؛» وهو برنامج يدرب القاطنين في البيوت التي أمنتها شركة «نيويورك هاوسينج» على الوظائف التي ستتاح في ظل الاقتصاد الصديق للبيئة. لا ريب في أن البرنامج ناجح، ولا يعزى سبب ذلك إلى استقدامه لأفكار الاستدامة وتعليمها لنحو 500 ألف شخص من سكان مدينة نيويورك ممن يعتمدون على الإسكان العام فحسب، بل لتأهيله أيضًا شبابًا أتيحت لهم فرصة في شق مسارهم الوظيفي في مجالات صديقة للبيئة بأجور مجزية وضمان نمو مؤكد.

شددت ويكس أيضًا على أهمية تحميل الشركات والحكومات مسؤولية التغيير على نطاق واسع، لأهمية دورهما في التخفيف من أزمة المناخ وتعزيز الاستدامة. وأكدت شركة التأمين العالمية «أليانز» والراعي الرسمي لهذا الحدث، التزامها الجاد بتعزيز الاقتصاد الخالي من الكربون، والسعي جاهدة للتأكد من انعدام نسبة انبعاثات الكربون من مبانيها بحلول العام 2050. وتحدث «يوسف كلاد» من مكتب عمدة مدينة نيويورك أيضًا عن الجهود الحثيثة التي تبذلها شركة «بيج آبل» لتعزيز الاستدامة الحضرية، ومنها تحقيق الحياد الكربوني وإعادة تصميم وسائل النقل، علاوة على التأكد من ضمان حياة رقمية مستدامة لسكان مدينة نيويورك كافة.

وقال كريستوفر ويليامز مدير قسم البيئة في الأمم المتحدة، أن هذا الحدث أضاء على التعاون الحالي الذي لم يسبق له مثيل، مشيرًا إلى أن الالتزام بالاستدامة وتنمية الاقتصاد الصديق للبيئة يتطلب تعاونًا بين جميع الجهات المسؤولة، من مؤسسي الشركات الناشئة إلى القادة السياسيين وصولًا إلى مستثمري القطاع الخاص. وقد لا يتمخض هذا التعاون عن إصلاح الأخطاء التي ارتكبت في الماضي، لكن بوسعه أن يفتح أبوابًا جديدة إلى فرص واسعة لتحقيق  مستقبل مستدام.

احرص على متابعة أخبار اللقاء المقبل الذي ستنظمه شركة أليانز ضمن برنامجها «أليانز إكسبلورر سيريز» المقرر عقده في ميونيخ في ألمانيا في 27 أغسطس/ آب، للتفاعل مع الجيل الجديد واكتشاف كيفية رؤيته للمستقبل، وما لديه من تحديات وآمال ورؤًى مختلفة لمستقبل مستدام.