كانت صحيفة نيويورك تايمز من أوائل وكالات الأنباء الضخمة التي تنشر على الإنترنت، فبدأت بتقديم خدماتها الإخبارية رقميًا في العام 1996 سعيًا لتحقيق رؤية طموحة رسمتها آنذاك؛ وهي أن «استهداف الجمهور العالمي الرقمي يتيح عددًا أكبر من القراء. وتتطلع الصحيفة إلى أن تكون مصدرًا أساسيًا للمعلومات في عصر الحاسوب، فضلًا عن خفض تكاليف طباعة الصحف والتسليم والعمالة.»

ومرت الأعوام وازدادت وتيرة النشر الرقمي، وسارت الأمور جيدًا بالنسبة لصحيفة التايمز، إذ درت اشتراكاتها السنوية أكثر من مليار دولار في العام 2017. ولكن نجاح هذه الصحيفة العالمية لا يعد بالضرورة مؤشرًا على نجاح الصحف الإقليمية من صحيفة بوسطن جلوب حتى صحيفة ديترويت فري بريس، إذ أثر الإنترنت سلبًا عليها، فتراجعت عائداتها وتقلصت فرص العمل فيها. وليست جهات النشر رقمية الأصل بأفضل حال أيضًا، ففي نوفمبر/تشرين ثاني من السنة الماضية، تراجعت عائدات شركتي الإعلام الرقمي باز فيد وفايس دون المستوى المطلوب بهامش كبير، وعلى الرغم من التغييرات الجذرية التي أدخلها شركة ماشابل الإعلامية إلى موقعها الإلكتروني، إلا أنها بيعت مقابل جزء بسيط من قيمتها السابقة.

ومما يسبب الصدمة حقًا أن الناشرين لم يعودوا يكسبون مالًا وفيرًا على الرغم من أن جمهورهم يمضي وقتًا طويلًا في استهلاك منتجاتهم، إذ بلغ متوسط الوقت الذي يستغرقه الأمريكيون في عرض وسائط الإعلام الرقمية على أجهزتهم ست ساعات تقريبًا، وتخصص نسبة كبيرة من هذا الوقت في وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات، وتتضمن خمسة من المواقع الإلكترونية العشرة الأكثر زيارة منصات إخبارية.

وتعزى هذه الهوة الكبيرة بين الطلب والربح إلى أن جمهور الإنترنت تجزّأ إلى حد كبير، فمنذ عقدين من الزمن، كانت المجلات والصحف تباع على شكل حزمة واحدة يتصفحها الناس بتقليب صفحاتها الورقية، وآنذاك اختار القراء مزودًا واحدًا لهم، واعتمدوا إما على كشك صحف أو اشتراكات تصلهم حتى أبوابهم، وغطت عائدات الاشتراك تكاليف الطباعة والتسليم، وكان يبيع الكيان ذاته كل إعلان في تلك الحزمة.

وحاليًا ما فتئت وسائل التواصل الاجتماعية ومحركات البحث تستولي على الدور الإعلامي الذي كان للناشرين سابقًا، ما مكنها من جني الأرباح لجذبها اهتمام المستخدم، وفي غضون ذلك، أصبح عسيرًا على الناشرين بناء قاعدة وثيقة من القراء، وبيع إعلانات رفيعة المستوى تجذب اهتمامهم.

وإذا رغب الناشرون بنماذج جديدة تتحدى تلك التحولات، فعليهم بناء شبكات خاصة بهم تواكب التجزئة الرقمية، وعليهم أن يستعيدوا السلطة من الشبكات الاجتماعية ويتخلصوا من أسباب تفرق القراء، والوسيلة إلى ذلك تكمن في تقنية أصبحت مؤخرًا محط أنظار الجميع: تقنية بلوكتشين، فهي بنية شبكية لامركزية أصبحت تشكل أساسًا للعملات المعماة مثل بتكوين.

قد تمكن تقنية بلوكتشين الناشرين من جني بعض المنافع من الأسلوب الشخصي للوصول للأخبار والذي يجعل الإنترنت أداة قوية لتحصيل المعلومات، إذ أتاح الإنترنت مصادر غنية للمعلومات وسهلة الوصول، ما ساهم في جعل الشبكات المستندة إلى قواعد البيانات مثل فيسبوك وجوجل وتويتر بؤرة لاهتمام الجماهير لأنها تساعد الناس على الاختيار مما يعرض أمامهم. فعوضًا عن الدفع لفريق تحريري كي يقرروا ماذا يجب وضعه في الصفحة الأولى لمجلتهم في كل يوم؛ فإن تلك الشبكات تستعين بخوارزميات لتوفر ما دعاه نيكولاس نيجروبونتي من معهد ماساتشوستس للتقنية «ذا ديلي مي» ويقصد بها حزمة من الأخبار أو التجارب أو الأفكار التي يرغب في متابعتها الفرد، سواء كانت أحدت النقاشات الأدبية أو قصة محترف يتسلق طريقه نحو قمة جبل، ولا غرابة في أن يميل الناس نحو حزمة أخبارية مفصلة وفقًا لاهتماماتهم وليس وفقًا لما يراه فريق تحريري.

تتمتع الشبكات الاجتماعية بميزتين؛ الأولى حيازتها لبيانات المستخدم التي جمعتها من الإشارات الاجتماعية وعمليات البحث، فتعرف من خلالها نوعية المحتوى الذي يروق لكل مستخدم. والثانية أن الشبكات الاجتماعية تتيح أمام المستخدمين نطاقًا واسعًا من الروابط تحت تصرفهم، فيشعر مستخدمو تويتر مثلًا أنهم من يتحكمون بالمحتوى الذي يشاهدونه خلافًا لما يحدث عند زيارة الصفحة الرئيسة لصحيفة واشنطن بوست مثلًا. ويعود ذلك بالنفع نظريًا على صناع المحتوى، فيساعدهم المستخدمون على إيجاد المحتوى الراغبين بعرضه. ولم تصبح الشبكات الاجتماعية منصة تستخدم لزيارة الروابط فحسب، بل نجحت أيضًا في الاحتفاظ بمقدار كبير من الاهتمام كونها مراكز للنقاش، فضلًا عن استضافة المحتوى مباشرة على منصاتها.

وفي خضم تلك الأحداث، بقيت صحيفة نيويورك تايمز مركزًا لاهتمام المستخدمين نظرًا لنطاق تغطيتها الواسع، فلا يمتلك المنافسون الأقل شأنًا وخاصة المحليين منهم القدرة على مجاراة هذه التغطية، وللأسف فإن الخسارة طالت أيضًا صحيفة بحجم النيويورك تايمز، فعلى سبيل المثال، لا تتجاوز عائداتها من الدعايات الرقمية 200 مليون دولار سنويًا؛ أي ما يعادل نصف عائداتها من الاشتراكات السنوية الرقمية، وهذا مبلغ زهيد مقارنة بما تجنيه معظم الشبكات الاجتماعية.

ولكن ماذا يحدث إن أصبحت المنشورات –الكبيرة منها والصغيرة- جزءًا أكبر من الشتات الذي تتسم به اليوم؟ لدى تقنية بلوكتشين القدرة على حل كثير من المشكلات التي يعاني منها قطاع النشر، بدءًا من تنظيف الشبكة من المساحات الإعلانية الإضافية وحتى تغيير قابلية البحث والأقفال الاجتماعية المفروضة على هوية المستخدم، لكن أفضل قدرات تلك التقنية تبرز في إزالة نهج النشر الانعزالية التي أثبتت رداءتها في العالم الرقمي، ففي صميمها، صممت التقنية لإيجاد شبكات شبيهة بتلك الموجودة لدى تويتر وفيسبوك، بالإضافة إلى قدرتها على توزيع المنافع والحوافر على نطاق أوسع بكثير.

وربما كانت أشهر استخدامات تقنية بلوكتشين وأبرزها هي عملة بتكوين، وتتابع هذه العملة معاملات مالية بقيمة مليارات الدولارات دون أن تحكمها سلطات مركزية، كالبنوك والدول. ويصعب فهم الكيفية التي تعمل بها تقنية بلوكتشين، ولكن ما يهم هنا هو أنها تصنع بيئة من الثقة بإلزام أطراف متعددة بالموافقة قبل تسجيل أي تغيرات تطرأ على البيانات المخزنة على الشبكة، وبالنسبة لعملة بتكوين، تمثل تلك التغيرات بصفة أساسية عمليات إرسال الأموال واستقبالها، لكن مبدأي الإدارة والتخزين اللامركزيين ينطبقان أيضًا على معظم أشكال البيانات.

وتتجلى قدرة التقنية على حل المشكلات التي يعاني منها قطاع الإعلانات الرقمية، والذي يعج بالوسطاء الذين يديرون أنظمة مبهمة تفتقر إلى الثقة، وباعة المساحات الدعائية الذي يقدمون -عن قصد أو غير قصد- مخزونًا دعائيًا منخفض الجودة وصعب التدقيق. ومن شأن السوق الدعائي الذي يستند إلى تقنيات بلوكتشين أن يحسن جودة البيانات المستقاة من تصفح المستخدم، ومن هذا المنطلق، بدأن شركات مثل «آي بي إم» و «إيه تي آند تي» بإلقاء نظرة فاحصة إلى دور التقنية في هذا المجال.

وبالإضافة إلى دور التقنية في تطوير المجالات الدعائية، فإنها تمكن الناشرين أيضًا من أن يزودوا المستخدمين بتجربة تنافس فيسبوك وجوجل أو تحل محلها. إذ قد تتيح التقنية بيانات حركة زيارة المتصفحين وعدد مشاهدات الإعلانات، ما يحفز التعاون بين الناشرين الصغار. وإن وثقت الصحف والمجلات بالأنظمة اللامركزية، ستممكن من تزويد القراء بمحتوى على مستوى عالٍ من الجودة عوضًا عن المحتوى الرديء، وقد ينعكس ذلك إيجابًا على كامل شبكة الإنترنت بتقليص كمية المحتوى منخفض الجودة منها.

ولكن ما دور بيانات المستخدم في الأنظمة اللامركزية؟ تمثل هذه البيانات مكونًا رئيسًا يكسب محركات البحث والمنصات الاجتماعية قدرة بارعة على بيع الإعلانات، ولا تُحّصل تلك البيانات إلا بعض الحصول على موافقات رمزية من المستخدمين، علاوة على أن معظم الفائدة المجنية منها تعود إلى حملة الأسهم.

يشهد الوضع الراهن آثارة مدمرة تجني ثماره المنصات الاجتماعية ويتكبد خسائره المجلات الرقمية، ومن الممكن أن ينقلب الحال رأسًا على عقب إن وظفت إحدى تطبيقات بلوكتشين؛ أي العملات المعماة، وتعد هذه العملات وقودًا تستهلكه معظم قواعد البيانات المتسلسلة الموجودة على تقنية بلوكتشين، إذ تصنع اقتصادًا يسمح لرواد التقنية بالاستفادة من نموه المستدام، فتنشئ التقنية بنيتها التحتية بالعملات المعماة التي تُدفع لمشغلي الخوادم، والذين يشار إليهم عادة باسم «المعدنين.»

ومن هذا المنطلق، يمكن الاستفادة من العملات المعماة في تقديم حوافز إلى القراء، فبدلًا من أن يقدموا بياناتهم إلى فيسبوك وجوجل، أصبح بإمكانهم الحصول على العملات المعماة مقابل مشاركة معلوماتهم مع شبكة من الناشرين في إطار مشترك وآمن، ما يزود المستخدمين بالمحتوى الراغبين به، ويقدم دعايات حسنة الاستهداف. وإذا حصل الجمهور على حصة صغيرة من عائدات الدعاية التي يروج لها الناشرين، قد تتوقف حينها النزعة المتنامية نحو حجب الإعلانات واستخدام أدوات مثل «آد بلوك» ويقبل القراء عندها على الدعايات وهم على علم بأنها ذات جودة عالية وتعود عليهم بالنفع، وسيساعد ذلك الناشرين على منافسة شركات مثل فيسبوك وجوجل.

من الواضح أن هذه الخطوة ستعيد هيكلة قطاع النشر الرقمي تمامًا، وتجعل الناشرين أقرب إلى المتصفحين. وحاليًا تبدو الفرصة مثالية أمام هذا المجال ليزدهر من جديد، وخاصة بعد أن عانى المستخدمون لأعوام من الانتهاكات؛ وأبرزها حادثة فيسبوك، والتي كشفت مؤخرًا أن فيسبوك شارك على نحو غير متعمد بيانات 50 مليون مستخدم مع شركة كامبريدج أناليتيكا، فانخفضت أسهم فيسبوك انخفاضًا كبيرًا، وتداعت ثقة السوق بمنصة ظنوا يومًا أنها ستسود على باقي المنصات.

وتوقعت شركة «إي ماركتر» للأبحاث التسويقية أن تخسر شركتي فيسبوك وجوجل سوق الإعلانات في العام 2018، وفي الوقت ذاته بدأت شركتي أمازون وسناب في تحقيق انتصارات جديدة في هذا المجال، ما يعني أن الفرصة ما زالت متاحة أمام الناشرين لاستعادة بعض من زمام الأمور إن كانوا مستعدين للتفكير جديًا بإجراء تغييرات جذرية.