الهيدروجين يتطور بشكل نوعي أخيراً

ورد في تقرير سابق في سبتمبر معلومات عن بدء العمل في دراستين، تعتمد كل منهما مقاربة مختلفة لصنع الهيدروجين المعدني. والآن، وبعد أكثر من 80 عاماً على توقع إمكانية تحقيق هذا، تمكن فريق جامعة هارفارد من الوصول إلى هذه الحالة بعد جهود مضنية. ونشرت مجلة سينس أخيراً الدراسة التي عمل عليها الفيزيائيان أيزاك سيلفيرا - الذي استمر في العمل على تجاوز صعوباتها منذ 45 عاماً - ورانجا دياس.

للحصول على الهيدروجين المعدني، ضغط فريق سيلفيرا ماستين ثقيلتين متقابلتين معاً لضغط الهيدروجين الغازي، ثم حوله إلى الحالة السائلة بتخفيض درجة الحرارة (يتكثف الهيدروجين إلى سائل عند حرارة 252 درجة مئوية تحت الصفر)، ورفع الفريق في المرحلة الأخيرة الضغط المطبق على الهيدروجين تدريجياً، عبر بتدوير برغي فولاذي لتطبيق قوة تحريك على «السندان» الماسي. وعندها بدأت التغيّرات بالظهور.

بقي الهيدروجين شفافاً عند ضغط يساوي 2 مليون ضغط جوي (أو 200 جيجا باسكال)، وتحول إلى الأسود الكامد عند 4 مليون ضغط جوي، وهي قيمة أعلى من الضغط في مركز الكرة الأرضية. وبعد هذا، عند حوالي 4.95 مليون ضغط جوي، بدأ الهيدروجين بعكس الضوء المسلط عليه بنسبة 90%. ما يعني أنه أصبح معدنياً، وهي حالة لم يسبق حصولها على كوكبنا قط. وقد وصفه سيلفيرا بأنه «الكأس المقدسة لفيزياء الضغط العالي.»

لا يستهان بهذا الإنجاز على الإطلاق. إذ توقع العلماء إمكانية تحويل الهيدروجين السائل إلى حالة معدنية لأول مرة في العام 1935، وهي ظاهرة تعرف باسم تحوّل ويجنر-هانتينجتون. ولم تنجح التجارب السابقة في تحقيق هذه الظاهرة لأن الماسات كانت تتحطم تحت الضغط الشديد، إما بسبب عيوب في الماسات ذاتها أو بسبب انتشار الهيدروجين داخل الشبكة البلورية للماسات، ما يتسبب بتحطمها. ومن أجل تجاوز هذه المشكلة، استخدم فريق سيلفيرا تقنية حفر بتفاعل الشوارد، وذلك لإزالة أية عيوب على المستوى النانوي، ثم شكّل حاجز مقاوم للانتشار بتغطية الماسات بطبقة رقيقة من الألومينا (أوكسيد الألمنيوم).

ر. دياس و أ. ف. سيلفيرا
ر. دياس و أ. ف. سيلفيرا

بسيط ولكنه قوي

يعد الهيدروجين - وهو العنصر الأول في الجدول الدوري - الشكل الأبسط للذرة: بروتون واحد وإلكترون واحد فقط. لكن الفيزيائيون يخمنون أنه يمتلك إمكانيات كامنة مذهلة في شكله المعدني. ومنها أنه ناقل فائق حقيقي، ما يتيح استخدامه في عدد كبير من التطبيقات.

يتوقع سيلفيرا: «لنفرض أننا تمكنا من صنع كابلات من الهيدروجين المعدني فائق الناقلية، لن نعاني عندها من ضياعات أثناء نقل الطاقة، لعدم وجود مقاومة كهربائية. تضيع الطاقة حالياً في شبكاتنا الكهربائية بمجرد ارتفاع حرارة الكابل أثناء النقل». ويعتقد دياس أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى تحقيق التخزين المغناطيسي فائق الناقلية، والذي «يحافظ على تيارات مستمرة في الوشائع فائقة الناقلية». وقد يمثّل هذا أداة مفيدة في المحافظة على توازن الشبكة الكهربائية عند استخدام المصادر المتجددة، مثل الشمس والرياح، والتي تنتج الكهرباء بصورة متقطعة. ونظراً لأنه من المتوقع للهيدروجين المعدني أن يعمل في درجة حرارة الغرفة أو أعلى، فقد ننجح في استخدامه بدلاً من المغانط في آلات التصوير بالرنين المغناطيسي أيضاً.

يوجد تطبيق آخر يرى دياس أنه «الأكثر رومانسية»، وهو «الرفع المغناطيسي للقطارات عالية السرعة، بناء على المغنطة المعاكسة المثالية للنواقل الفائقة.» ما قد يحدث ثورة في أنظمة النقل. ويستخدم الرفع المغناطيسي للأنظمة عالية السرعة مثل هايبرلوب.  أما في مجال الصواريخ، فإن الحالة المعدنية تجعل الهيدروجين «أقوى وقود صاروخي عرفه الإنسان.» كما يقول سيلفيرا، وقد يكون أقوى بحوالي أربع مرات من أنواع الوقود الحالية، والتي تعتمد على الهدروجين الجزيئي والأوكسجين السائل. وعند استخدامه كوقود، يعود الهيدروجين المعدني إلى حالته الجزيئية عند تسخينه، ما ينتج قدراً كبيراً من الطاقة المضغوطة بفعالية عالية. يشرح سيلفيرا: «قد يحدث الهيدروجين المعدني ثورة في الصواريخ، ويمكننا من استكشاف الكواكب البعيدة، وإيصال الصواريخ إلى المدار بمرحلة واحدة، ورفع الحمولات الثقيلة.» وهذا ما دفع وكالة ناسا، إلى المساهمة في تمويل هذا البحث.

يبدو كل هذا مثيراً ويحمل إمكانية تغيير التقنية، لكن عينة الهيدروجين المعدني الوحيدة على الأرض موجودة في مختبر سيلفيرا، داخل السندان الماسي تحت الضغط العالي. ولم يتأكد الفريق بعد من إمكانية استقرار الهيدروجين المعدني عند إزالة الضغط، ولهذا دعنا نكتفِ حالياً بالاحتفال بهذا الإنجاز، على أمل أن نشهد اليوم الذي سيتغير فيه العالم بفضل الهيدروجين المعدني.