شهدت المملكة العربية السعودية في الأعوام الأخيرة توجهًا ملحوظًا لتعزيز البحث العلمي وتوفير بيئة حاضنة للابتكار، ما تجسد في التوجه الرسمي الرامي إلى تكثيف إطلاق مبادرات علمية وتأسيس مراكز بحثية تُعنى بالتقنية والذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وفي هذا الإطار؛ أطلقت الهيئة العامة السعودية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، منتصف العام 2019، مركز ذكاء؛ أول مركز متخصص في تمكين المؤسسات والشركات الناشئة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محافظة الخُبَر شرق البلاد، ليقدم خدماته لجميع أنحاء المملكة.

ويستهدف المركز، أيضًا، المنظمات غير الربحية، وينظم بين الحين والآخر ورشات في مجالات الابتكار وريادة الأعمال وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي وتسخير خوارزمياته لخدمة قطاع الأعمال. وينظم المركز مسابقات متخصصة في مجال إدخال التقنيات الحديثة في المؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحليل البيانات في قطاعات التجزئة والمطاعم والقطاع الصحي، فضلًا عن برامج متنوعة لخدمة المستفيدين من رواد الأعمال الراغبين في بدء مشروعات تقنية جديدة ومبتكرة.

الأكاديمية السعودية الرقمية

وأطلقت السعودية أيضًا، مطلع مايو/أيار 2019، الأكاديمية السعودية الرقمية، لاستقطاب وتطوير المواهب المحلية والقدرات الرقمية في مجالات التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وتطبيق تجارب دولية رائدة مرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة. وتهدف الأكاديمية التي أطلقتها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، إلى تمكين الكوادر المحلية لأداء وظائف نوعية في مجالات التقنيات الحديثة والمتقدمة ورعاية الموهوبين والمبدعين في المهارات الرقمية وريادة الأعمال التقنية، وربط الموارد البشرية بمهن المستقبل؛ في قطاعات الاتصالات وتقنية المعلومات لإعداد جيل من القادة الشباب القادر على مواكبة التطورات التقنية، من خلال برامج نوعية متخصصة عدة، وفق أحدث أساليب التدريب العملية والتطبيقية.

المركز الوطني للذكاء الاصطناعي

وتعتزم المملكة إنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي يتبع للهيئة السعودية المُستحدَثة للبيانات والذكاء الاصطناعي، ضمن حزمة أوامر ملكية، صدرت أواخر العام 2019، تتضمن إلى جانب المركز، إنشاء مكتب باسم مكتب إدارة البيانات الوطنية.

ونفذت السعودية خطوات عملية عدة؛ منها إدخال الذكاء الاصطناعي والروبوتات في مفاصل الدولة والمؤسسات الرسمية ووظفت مطلع العام 2020، أول روبوت في وزارة التعليم. وأطلقت منتصف فبراير/شباط 2019، روبوتًا صيدليًا بهدف تقديم خدمات مُرضية للمراجعين لتوفير الوقت والجهد. وتسعى السعودية لتكثيف اعتمادها على الروبوتات والذكاء الاصطناعي للوصول في المستقبل إلى مرحلة تستبدل فيها رجال المرور بروبوتات.

دعم البحث العلمي

ولدعم البحث العلمي والتعليم، استثمرت السعودية في واحدة من أكبر منح التعليم في الخارج، إذ بلغ عدد المبتعثين في الخارج نحو 93 ألف مبتعث في العام 2019. وشجعت التعاون الدولي بين الباحثين السعوديين ونظرائهم في كبريات جامعات العالم. وأنشأت المملكة أيضًا، جامعات ومراكز بحثية حازت مكانة متقدمة في البحث العلمي؛ منها مدينة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، ومركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية، ومركز أبحاث مستشفى الملك فيصل التخصصي.

وأدى المناخ الجديد إلى مضاعفة أعداد البحوث العلمية المنشورة في المجلات العلمية العالمية؛ إذ تجاوز عددها 16 ألف بحث في العام 2017، واحتلت المملكة المركز 36 عالميًا في العام 2019؛ وفقًا لمقاييس جودة النشر العلمي، وأظهرت الجداول السنوية لمؤشر نيتشر للعام 2020 أن السعودية تحتل المركز الأول عربيًا، و29 عالميًا، بالنسبة لمستوى جودة الأبحاث العلمية المنشورة؛ وفقًا لصحيفة الرياض.

تسريع مواكبة الثورة الصناعية الرابعة

وعلى الرغم من السعي الحثيث لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة، تبرز دعوات من باحثين وأكاديميين سعوديين، تطالب بتسريع التحول الرقمي، يحدوهم الأمل في الوصول إلى مصافي الدول المتقدمة واحتلال مكان ريادي على مستوى العالم. وفي هذا الإطار؛ ترى الدكتورة السعودية فرح محمد العماري، الباحثة في مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية، ضرورة مضاعفة الجهود العلمية للحاق بالركب.

وقالت العماري، في مقال نشرته صحيفة الرياض، مطلع ديسمبر/كانون الأول 2020، إن «جميع هذه الإنجازات الرائعة ما زالت منخفضة كثيرًا، مقارنة بما يجب أن نكون عليه كدولة من دول مجموعة العشرين.»

تحدي الاستثمار

وأوصت العماري بضرورة التصدي لعقبات؛ منها تحدي الاستثمار، بتوفير بيئة حاضنة للمبتكرين، إذ أن إنفاق الأموال على البحث العلمي يعود على المستثمر بأضعاف ما أنفقه، عندما تتحول الأبحاث إلى ابتكارات تقنية تغزو الأسواق.

وأشارت العماري إلى أن المملكة تفتقر لوجود ما يُطلَق عليهم مسمَّى المستثمرون الملائكيون؛ وهم رجال أعمال وسيدات أعمال أغنياء يمولون مشروعات ناشئة من أموالهم الشخصية، في مقابل حصة، إذ أن عددهم لا يتعدى المئات، في حين يوجد في الولايات المتحدة -مثلًا- 320 ألف مستثمر ملائكي، استثمروا نحو 26 مليار دولار في الشركات الناشئة.

وذكرت العماري إن البحث العلمي في السعودية مدعوم من شركتين فقط؛ هما أرامكو وسابك، في حين تمثل الشركات الكبرى في وادي السيليكون في الولايات المتحدة الجهات الأكثر إنفاقًا على البحث العلمي على مستوى العالم؛ واستثمرت شركة أمازون -على سبيل المثال- 22.6 مليار دولار في البحث العلمي والتطوير، ما يشكل 12.7% من إيراداتها.

وقالت العماري «هذا هو التحدي الأهم والأساسي الذي يعوق البحوث العلمية والتطور التقني في السعودية؛ عدم وجود استثمارات كافية في هذا المجال، مع نقص الإنفاق الحكومي، مقارنة بما تنفقه دول العالم المتقدم؛ فالولايات المتحدة -مثلًا- تنفق على البحث العلمي 476 مليار دولار سنويًا، وهو ما يعادل 2.7% من ناتجها القومي. أما السعودية، فلا تنفق سوى 12.5 مليار دولار، بما يعادل 0.8% من ناتجها القومي؛ وهذا حسب الأرقام الصادرة من منظمة اليونسكو للعلوم والثقافة. وما تنفقه السعودية على البحث العلمي -على قلته- يعتمد بنسبة 85% منه على التمويل الحكومي، و15% على القطاع الخاص، بينما في الولايات المتحدة 90% من الإنفاق على البحث العلمي يأتي من القطاع الخاص.»

ولتشجيع الاستثمارات وإشراك القطاع الخاص في مجال البحث العلمي والابتكارات وضمان انتقالها من مراكز الأبحاث إلى مواقع الإنتاج، عززت المملكة دور صندوق الاستثمارات العامة؛ أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، ليؤدي مهماته بتمويل المشروعات الاستراتيجية الداعمة للاقتصاد السعودي، وتوطين المعرفة الحديثة والتقنيات المبتكرة.

ونوهت العماري إلى ضرورة تعزيز ثقافة التبرع للبحث العلمي والابتكار؛ وقالت «في السعودية؛ لدينا عشرات المؤسسات الخيرية التي تنفق على جميع المجالات، باستثناء البحث والابتكار.»

موقع السعودية في الابتكار

في العام 2020، حلت السعودية في المرتبة 66 على مستوى العالم، في مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية.

وفي حديث خاص لمرصد المستقبل؛ قال المبتكر السعودي مشعل هشام الهرساني، إن «المملكة العربية السعودية تحظى بثروات شبابية وبأفكار إبداعية وبطاقات إيجابية، ستسهم في دفع عجلة الاقتصاد المعرفي نحو الدول المتقدمة.»

وأضاف الهرساني، باحث الدكتوراه في إدارة المعرفة «منذ بداية مسيرتي في الابتكار في العام 2000، التي أطلقت خلالها أكثر من 40 ابتكارًا عالميًا، ومشاركتي في عشرات المؤتمرات والمعارض العلمية والتقنية حول العالم، لاحظت أن المملكة تحظى بآلاف المبدعين والمبتكرين. والعدد في ازدياد مستمر، وسيأتي يوم سيحتاجون فيه لمظلة متخصصة بمنظومة للابتكار والمعرفة، توحد مراكز الابتكار بالجامعات والمؤسسات الحكومية، وقوننة عملية جمع البيانات والمعلومات الداعمة لتصنيف السعودية في المؤشر العالمي للابتكار.»

وأوصى الهرساني بتعزيز التوجه نحو الاستثمار في الابتكار والتقنية والذكاء الاصطناعي؛ وقال إن «البنية التحتية للتعليم في السعودية قوية جدًا، إذ أن آخر إحصائية لوزارة التعليم أشارت إلى ما وجود نحو 8 ملايين طالب وطالبة في جميع المستويات التعليمية؛ وهذه هي الثروة الحقيقية للوطن ويجب الاستثمار فيها. وأرى أن المستقبل القريب سيشهد تطورًا في مجال الابتكار والذكاء الاصطناعي بشكل كبير جدًا.»

ولاحتلال مراتب متقدمة في مؤشر الابتكار العالمي مستقبلًا، اقترحت الباحثة فرح العماري أن تحذو المملكة حذو دول صاعدة وصلت إلى مصافي الدول الصناعية الكبرى؛ على غرار الصين الشعبية، التي توسعت في إطلاق الحاضنات والمراكز التقنية، فضلًا عن ربط البحث العلمي بالقطاع الخاص، لتحتل الصين المركز الثاني عالميًا بعد الولايات المتحدة.

ويبدو أن السعودية بدأت بالفعل بتبني هذا النهج، وإن كان بخطوات خجولة؛ على غرار إطلاق برنامج منشآت، في العام 2016، لدعم وتنمية ورعاية قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ وفقاً لأفضل الممارسات العالمية بتنفيذ ودعم برامج ومشروعات لنشر ثقافة وفكر العمل الحر وروح ريادة الأعمال والمبادرة والابتكار، وتنويع مصادر الدعم المالي للمنشآت.

ويبقى الأمل معقودًا على اتخاذ خطوات جدية وطموحة للحاق بركب الدول المتقدمة، ودعم الاستثمار في مجالات البحث العلمي والابتكار، وتشجيع القطاع الخاص على الانخراط في التنمية التقنية، وتعزيز الحاضنات وزيادة أعدادها لرفع سوية الابتكار، وتبني الأفكار الرائدة، ودفع اقتصاد المعرفة، ونشر ثقافة النهج العلمي، بما يحقق التقدم والرفاهية لأجيال المستقبل في عالمنا العربي.

مهند الحميدي - مرصد المستقبل