اتجهت الطائرات نحو تقليص استخدام طائرات المسافات الطويلة ومقاعد الدرجة الأولى بسبب القيود التي فرضت على الرحلات الجوية التجارية الدولية. إذ أصبح المسافرون الأثرياء يفضلون الطائرات الخاصة. فهل اقتربنا من طلب الطائرات الخاصة عبر تطبيقات مشاركة الرحلات مثل أوبر؟

شهدت الشهور الماضية اكتظاظ المطارات بطائرات المسافات الطويلة الجاثمة دونما استخدام، وهذا يمثل نهايتها برأي بعض الخبراء. فمثلًا بدأت الخطوط الجوية البريطانية بإخراج طائراتها من طراز بوينج 747 من الخدمة، وهي تشكّل 10% من أسطولها. واتجهت شركة فيرجن أستراليا نحو الاعتماد على طائرات بوينج 737 الأصغر حجمًا، وأصبح مسافرو المسافات الطويلة يفضلون خطوط كانتاس الجوية.

وأدت الأزمات الاقتصادية السابقة إلى ابتعاد شركات الطيران عن الطائرات التجارية الضخمة، إذ بين تحليل أجرته وكالة رويترز لبيانات مبيعات شركتي إيرباص وبوينج خلال عشرين عامًا الماضية، أن الطلب على الطائرات الضخمة انخفض بالمقارنة مع الطلب على الطائرات الصغيرة. ويشير ذلك إلى أن الركود الناتج عن جائحة كوفيد-19 ليس استثناءً. وبدأت شركة بومبارديه للنقل في الاعتماد فعلًا على الطائرات الخاصة الصغيرة التي تنجو دائمًا من هذه الأزمات.

وتحدث ديرك-مارتين مولينار، العضو في مجلس إدارة شركة بي سي جي للاستشارات، عن مستقبل النقل الجوي خلال مقابلته مع موقع بلومبرج. وقال إن النقل الجوي يتجه نحو الطائرات الأصغر حجمًا، وتقليل الوجهات، وزيادة الأسعار. وبدأت شركاتٌ عديدة أيضًا في تقليص عدد مقاعد الدرجة الأولى أو الاستغناء عنها. ما أدى إلى زيادة الطلب على الطائرات الخاصة والطيران العارض، وفقًا لتقريرٍ نشرته صحيفة وول ستريت جورنال.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة سينتينت جيت للطائرات الخاصة لصحيفة نيويورك تايمز أن 75% من زبائن شركته كانوا خلال جائحة كوفيد-19 أفرادًا وعائلات بالمقارنة مع 40% في الفترات السابقة. وقال أحد الخبراء في مجال الطائرات الخاصة أن الرحلات الشخصية كانت سببًا رئيسًا في قوة قطاع الطيران الخاص بالمقارنة مع الرحلات التجارية. وإن نجحت الشركات في الاحتفاظ بهؤلاء العملاء سيستمر قطاع النقل الخاص في التطور.

وقد يؤدي ذلك إلى ظهور شركات تقدم خدمة طلب الطائرات الخاصة الصغيرة والهليكوبتر، مثل أوبر. فمثلًا افتتحت شركة أبولو إير سيرفيسيز، لخدمات الهليكوبتر في المملكة المتحدة، فرعًا جديدًا في كامبريدج لتلبية الطلبات المتزايدة. وأعلنت شركة بليد عن تقديم خدمات للمسافرين الدائمين بين مدينتي نيويورك وهامبتونز. وتختبر الشركات الصغيرة نماذج دفع مختلفة، مثل الخدمات مسبوقة الدفع. وسيبدأ نمو هذا القطاع عندما تنتج هذه التجارب نماذج دفع وتسعير بسيطة وعلامات تجارية معروفة تشبه نموذج أوبر بالنسبة للسيارات.

وقد تمثل زيادة الطلب على الطائرات الصغيرة دعمًا للطائرات الكهربائية التي تعتمد على البطاريات والمحركات الكهربائية، والتي تشكل بديلًا مراعيًا للبيئة للطائرات التقليدية. وتعمل شركات ناشئة وشركات كبرى عديدة، مثل بوينج ورولز رويس وسيمنز وأوبر على تطوير طائرات كهربائية للاستخدام التجاري. وتشكل المسافات الطويلة عائقًا أمام تطوير هذه التقنية. إذ لا يزيد مدى أقوى الطائرات الكهربائية حاليًا عن نحو 160 كيلومترًا ولا تزيد حمولتها عن 4 أشخاص. ولذا فإنها قد تمثل خيارًا مناسبًا للرحلات القصيرة إلى أن يكتمل تطورها. وعلى الجانب الآخر توجد شركات ناشئة تسعى لتطوير طائرات نفاثة أسرع من الصوت تقطع الرحلات الطويلة في زمنٍ أقل، وهو ما يناسب المسافرين الأثرياء.

وتخشى شركات الطيران من عدم تعافي الرحلات التجارية بصورةٍ كاملة، وخاصةً الطلب على مقاعد الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال، إن اقتنعت الشركات بأن الاجتماعات عبر الإنترنت تغني عن اجتماعاتها التقليدية التي تجمع موظفيها من بلدان متباعدة. ويرى ديفيد فيكلينج، كاتب أعمدة الرأي في بلومبرج، أن شركات الطيران الاقتصادي، التي تقدم الخدمة الأساسية دون كماليات، وتطلب ثمنًا إضافيًا مقابل وجبات الطعام والأمتعة، ستسيطر على مستقبل النقل الجوي، إلى جانب الشركات التي تملكها الحكومات والتي توفر رحلات المسافات الطويلة، مثل طيران الإمارات وشركة الطيران السنغافورية.

وأظهر استطلاعٌ للرأي شمل أكثر من 50 شركةً كبرى في هذا القطاع أنها تتوقع أن انتعاش الرحلات المحلية أسرع من الرحلات الدولية، ما يشير إلى أن عصر الطائرات الكبيرة قد أفل، وأن المجال سيتسع أكثر للطائرات الصغيرة التي لا تزيد سعتها عن 200 مقعد.

ويمثل ذلك مشكلةً لشركتي إيرباص وبوينج، أكبر شركتين مصنّعتين للطائرات في العالم، إذ تواجهان انخفاضًا في الطلب يماثل الانخفاض الذي شهدته الأزمة المالية العالمية في العام 2008، ما اضطرهما إلى تسريح موظفين كثر: 15000 موظف من إيرباص و16000 من بوينج. وأعلنت شركة إيرباص أنها ستبقي معدلات الإنتاج منخفضة حتى العام 2022 على الأقل بعدما واجهت خسائر قدرها 2.25 مليار دولار. وقال ديفيد شالون، الرئيس التنفيذي لشركة بوينج، أن شركات الطيران أجلت طلبات الطائرات الجديدة أو توقفت عن الدفع للطلبيات الحالية. وأخّرت بوينج  إطلاق أحدث طائراتها بوينج 777إكس. وتخطط لإخراج طائراتها من طراز 747 من الخدمة بحلول العام 2022.

بقلم أمريتا خالد