طور فريق بحثي من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، غلافًا نانوني المقاس ينقل مواد تقنية التحرير الجيني كريسبر كاس 9 بكفاءة عالية إلى داخل الخلية. ويتخذ الغلاف المطور شكل إطار عضوي معدني مثقّب بطريقة تزيد قدرته الاستيعابية، ويحمل ضمنه الأداتين المستخدمتين في تقنية التحرير الجيني: إنزيم كاس9 الذي يقطع شريطي الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين  «الدنا» مضافًا إليه شريط الحمض النووي الريبي القصير الموجه للإنزيم، والذي يحدد بدقه عالية مكان التحرير الجيني.

وقالت الدكتورة شهد الصيعري المؤلفة الأولى للدراسة في حوار خاص مع مرصد المستقبل «يتمتع الغلاف بقدرته العالية على الهروب من الجسيمات الداخلية البالعة (الإندوزوم)، ليسهم في وصول أداة التحرير الجيني بفاعلية إلى قلب النواة، حيث يوجد الجينوم.»

تتسبب الجسيمات الداخلية البالعة (الإندوزوم) الموجودة في سيتوبلازم خلايا حقيقيات النواة بمشكلة كبيرة لتقنية كريسبر كاس 9، إذ تحول دون وصولها إلى قلب الخلية، فهي تبتلع أي مادة غريبة تدخل إلى سيتوبلازم الخلية مستخدمةً عملية تُعرف باسم البلعمة، ما يؤدي إلى تحليل هذه الأجسام الغريبة.

وقالت الصيعري موضحة «صُمم الإطار العضوي المعدني المكون للغلاف النانوني الحجم ليتفكك في الوسط الحامضي فقط، إذ نود استخدامه مستقبليًا لاستهداف الخلايا السرطانية ذات الوسط الحامضي، ولهذا عند ابتلاع الإندوزمات للإطار العضوي المعدني، سيتفكك بداخلها بفعل وسطها الحامضي محررًا أداتي التعديل الجيني المحمّلتين بداخله، فينطلقا إلى سيتوبلازم الخلية باستخدام ظاهرة تُعرف باسم تأثير الإسفنج البروتوني.»

وتعمل ظاهرة الإسفنج البروتوني في حال وجود جزيء أساسي ضعيف يتسبب في تمزق الإندوزوم وتفككه في سيتوبلازم الخلية. ويلعب مركب الإميدازولات المكون للإطار العضوي المعدني هذا الدور؛ فعند ابتلاع الجسيمات البالعة (الإندوزوم) للغلاف النانوني وفيه مواد تقنية كريسبر كاس 9، يعمل مركب الإميدازولات على تخريب التوازن الأسموزي للإندوزوم، فيزيد تدفق الماء إلى داخله، ما يؤدي إلى تفككه وتحرر محتوياته إلى سيتوبلازم الخلية، وتنطلق عندها آلية التحرير الجيني من الجسيمات البالعة إلى السيتوبلازم لتصل في إلى هدفها في النواة.

وتحدثت الصيعري عن التجارب العملية لهذه التقنية فقالت «طبقت هذه الطريقة عمليًا على خلايا من مبيض حيوان الهمستر الصيني، واستهدفنا الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الفلوري الأخضر المُعَزز، وهو بروتين يظهر بلون أخضر فلوري قوي عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية أو للضوء الأزرق، وبينت النتائج انخفاض التعبير الجيني للبروتين بنسبة 37% بعد أربعة أيام من معالجة الخلايا.»

تقدم هذه الدراسة حلًا سهلًا ومجدي اقتصاديًا، للتغلب على مشكلات إيصال العلاجات القائمة على استخدام الحمض النووي الريبي آر إن أي، وقد تستخدم مستقبلًا لعلاج الأمراض الوراثية، وفقًا للدكتورة نيفين خشاب الأستاذة المشاركة في الجامعة والمشرفة على الدراسة البحثية.

ويتطلع الفريق البحثي لتطبيق التقنية ذاتها على خلايا الإنسان وفئران التجارب، ويأملون في إخضاعها مستقبليًا للتجارب السريرية.

تقنية كريسبر كاس 9

كريسبر كاس 9 إحدى أدوات التحرير الجيني التي أحدثت ضجة في الوسط العلمي في السنوات الأخيرة، وتستخدم في تعديل أجزاء من الجينوم، بإضافة أو حذف مقاطع من الحمض النووي الدنا. وتعد كريسبر كاس 9 أدق أداة وأسرعها وأخفضها تكلفة مقارنة بأدوات التحرير الجيني الأخرى. وتدخل ضمن نطاق واسع من التطبيقات، وتستخدم في منع العديد من الأمراض والوقاية منها لدى الإنسان والنبات والحيوان. وأظهرت العديد من الدراسات نتائج واعدة لتقنية كريسبر كاس 9 في التغلب على الفيروسات والبكتيريا والسرطان، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في علاج أمراض القلب والأمراض العقلية ومرض نقص المناعة البشري وفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي بي وارتفاع الكوليسترول.

تعتمد تقنية التحرير الجيني كريسبر كاس 9 على مكونين أساسيين؛ الأول بروتين كاس 9 وهو إنزيم يعمل كمقص لقطع شريطي الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين «الدنا» في مكان محدد مسبقًا، والمكون الثاني شريط قصير من الحمض النووي الريبي آر إن أي، ويسمى بالحمض النووي الريبي الموجه، إذ يعمل كمرشد لإنزيم كاس 9 فيحدد له بدقة عالية تتابع النوكليوتيدات التي ستجرى فيها عملية التحرير ليأتي الإنزيم ويقص الجينوم في هذا المكان.

يُعدل الجينوم عن طريق حذف مقطع معين من النوكليوتيدات يحتوي على خلل وإضافة آخر سليم، أو من خلال الحذف فقط.

توجد تقنية التحرير الجيني بصورة طبيعية ضمن الجهاز المناعي لبعض أنواع البكتيريا، إذ تستخدمها في التغلب على الفيروسات التي تهاجمها للقضاء عليها، فعندما يهاجم فيروس البكتيريا، تقطع البكتيريا مادته الوراثية إلى قصاصات جينية، لتحتفظ بها على هيئة تسلسلات من الدنا تعرف باسم كريسبر، وهذا اختصار لعدة كلمات إنجليزية تعني التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد.

تتيح تسلسلات كريسبر للبكتيريا التعرف على الفيروس إن عاد لمهاجمتها مرة أخرى، إذ تُنتج البكتيريا الحمض النووي الريبي الرنا من تسلسلات كريسبر التي احتفظت بها، ليرشد إنزيم كاس 9 إلى مادة الفيروس الوراثية فيقطعها ويقضي على الفيروس.

على الرغم من الآمال الواعدة التي تحملها تقنية كريسبر كاس 9 للقضاء على العديد من الأمراض، إلا أن استخدامها محفوف بمخاطر أخلاقية، تشمل استخدامها في أغراض غير علاجية مثل إجراء التعديلات على الجينوم البشري، والتلاعب في جينوم الأجنة أو في جينوم الخلايا التناسلية، خاصة أن أي تغير جيني يحدث في هذه الخلايا سيتوارث عبر الأجيال. لذلك اقتصرت معظم تطبيقات تقنية التحرير الجيني على الخلايا الجسدية فقط، وما زال التلاعب في جينوم الخلايا التناسلية أو جينوم الأجنة ممارسة غير قانونية في معظم الدول العالمية.

الباحثة في سطور

حصلت شهد الصيعري على بكالوريوس في العلوم الطبية التطبيقية من جامعة الملك عبد العزيز عام 2012، ثم حصلت على الماجستير في العلوم البيولوجية من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية عام 2014، ودرست الدكتوراة في العلوم البيولوجية وتقنيات النانو في الجامعة ذاتها بين العامين 2014 و2018.

حازت الصيعري على منحة ابن خلدون لدعم أبحاثها العلمية في مرحلة ما بعد الدكتوراة، وتعمل حاليًا في معهد كوخ لأبحاث السرطان المتكاملة التابع لمعهد ماساتشوستس للتقنية لنيل زمالة ما بعد الدكتوراة. وشاركت في نشر 16 ورقة بحثية، ولديها براءتي اختراع.