تخيل أنك دُعيت إلى العشاء في مطعم، ولديك متسع من الوقت لتصل في الموعد المحدد، وها أنت تتضور جوعًا، فتغادر عتبة بابك، وإذ بك تفاجأ بظروف غير متوقعة، كأن تصادف جدارًا بطول 10 أمتار كلما مشيت عدة خطوات. ماذا ستفعل حينها؟ ربما ستستسلم وتعود إلى البيت بمعدة فارغة وجسد منهك.

وهذا ما يحدث تمامًا للأسماك والحياة البحرية في أوروبا، إذ أشار بحث جديد إلى أن أنهار القارة الأوروبية وجداولها تعج بالسدود والعراقيل الصناعية بمعدل حاجز واحد لكل كيلومتر، وتوصل الباحثون إلى هذه النتيجة بجمع المعلومات التي وجدوها على الإنترنت، وتحققوا من نتائجهم عندما أجروا مسحًا ميدانيًا لتلك الأنهار لمسافة ألف كيلومتر، أضف على ذلك أن عدد الحواجز التي عثروا عليها ميدانيًا كان أعلى بثلاثين مرة من العدد المسجل في قواعد البيانات القديمة التي استعانوا بها في بحثهم.

وسيطلق الباحثون تطبيقًا يمكّن الناس من تحديث بيانات الحواجز المائية كلما صادفوا مزيدًا منها، ولن تساعد قواعد البيانات المحدثة في عبور الأسماك المحاصرة من نواح عملية، لكنها ستسهم في نقل الصورة الصحيحة إلى الجهات المعنية، ويسعى الباحثون أيضًا لتوسيع قاعدة بياناتهم لتشمل باقي أجزاء العالم، لأن المشكلة لا تنحصر في القارة الأوروبية فقط.

خذ نهر الأمازون، مثلًا، فحتى شهر فبراير/شباط، بلغ عدد سدود النهر 142 سدًا كهرمائيًا، وهي تتوزع بين سدود قائمة حاليًا وأخرى قيد الإنشاء، ثم أضف إليها 160 سد اقترح تشييدها على هذا النهر العظيم، الذي يمثل ثاني أكبر نهر في العالم. ونتيجة لهذا الكم الهائل من السدود، بدأت أسماك مهاجرة مثل أسماك «دورادو كاتفيش» بالانقراض، وفي شمال غرب المحيط الهادئ، تعترض السدود حركة أسماك السلمون التي تهاجر عكس التيار من مصبات الأنهار إلى منابعها لتضع بيوضها.

والواقع أنها ليست مشكلة جديدة، ففي العام 2001، أظهرت النماذج الحاسوبية كيف تسهم عوائق الأنهار في انقراض الأسماك بصورة مباشرة. ويرى مكتب الولايات المتحدة الأمريكية لكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة أن الحل الأمثل يكمن في تطوير مدفع يقذف أسماك السلمون إلى الطرف الآخر من السد.

وربما تساعد تلك المبادرات في المحافظة على حياة بعض الأسماك، لكنها تتطلب أشخاصًا يعملون على تلقيم مدافع السلمون بالأسماك، وقد لا يمثل هذا حلًا جذريًا للمشكلات الناتجة عن تجزئة الأنهار، التي ما فتئت تغير تضاريس السهول الفيضية لنهر الأمازون والمناطق المحيطة بسدوده. والجدير بالذكر أن كثيرًا من السدود تُزَّود بقنوات عبور مصممة خصيصًا لمساعدة الأسماك على السباحة خلالها، لكن أعدادًا كبيرة من الأسماك تفشل في عبورها.

وربما تظن أن الحل البديهي هو الامتناع عن إنشاء عدد كبير من السدود، لكن تلك المنشآت المائية تعد مصدرًا مهمًا للطاقة النظيفة التي تحتاجها الأمم في أنشطتها الصناعية، وخاصة بعد أن اضطرت للتوقف عن توظيف مصادر أخرى للطاقة التزامًا بأحكام اتفاق باريس للمناخ.

ولأننا لا نستطيع إيقاف وتيرة بناء السدود، فمن الأجدر أن نهدم تلك التي انتهى عمرها التصميمي. وفي البحث الأخير في حواجز أنهار القارة الأوروبية، اكتشف الباحثون سدودًا وعراقيل صناعية لم تعد تستخدم، وعفا عليها الزمن، لكنها ما زالت قائمة سواء في أوروبا أو في أجزاء أخرى من العالم، ولم تبذل الحكومات المحلية إلا بعض الجهود لحل هذه المشكلة.

وإذا كنت على متن قارب يشق نهرًا سجّل الحواجز التي تصادفها في طريقك في التطبيق الجديد، وادعم العمل على هدم غير المستخدم منها رفقًا بالأسماك.