يعاني كثير من الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد مشكلات عدة؛ منها الاتصال اللفظي والانتباه للآخرين والتحكم في التوتر والقلق ما ينعكس على الحياة الاجتماعية للطفل ويؤثر على نجاحه في المدرسة.

وتَظهر أعراض التوحد في سن الرضاعة قبل بلوغ الطفل سن الثالثة، وعلى الرغم من اختلاف خطورته وأعراضه من حالة إلى أخرى، إلا أنه يؤثر على قدرة الطفل على الاتصال مع المحيطين به وتطوير علاقات متبادلة وصحية معهم.

ولهذا صمم فريق تابع لشركة لوكس إيه آي الناشئة في لوكسمبورغ روبوتًا يدعى كيو تي روبوت (QTrobot) لمساعدة الأطفال المصابين بالتوحد على تعلم مهارات اجتماعية قيمة.

روبوت لطيف

يبلغ طول الروبوت الجديد المشابه للبشر نحو 60 سنتيمترًا، ووجهه مكون من شاشة إلكترونية. وبالإضافة إلى تمكنه من الرؤية والسمع والكلام، لديه قدرة على الاتصال غير اللفظي؛ بإسقاط تعبيرات الوجه على شاشته، بالإضافة إلى استخدام الإيماءات الجسدية.

واستعان الباحثون في دراستهم بخمسة عشر طفلًا مصابًا باضطراب طيف التوحد، تتراوح أعمارهم بين 4 و14 عامًا، ليشاركوا في مقابلتَين، لا تتجاوز مدة الواحدة منها خمس دقائق؛ واحدة مع كيو تي روبوت، والأخرى مع إنسان.

ووجه المحاور خلال المقابلات مجموعة أسئلة شخصية للطفل بعد سؤاله عن اسمه، ثم قص عليه حكاية قصيرة، وسأله إن أحبها أم لا، لتنتهي المقابلة بالطلب من الطفل تقليد أربعة إيماءات جسدية نفذها المحاور.

البشر أم الآلات؟

وبناءً على المقابلات، تحرى الباحثون الإجابة عن سؤالين؛ الأول هل انتبه الأطفال للروبوت وقلدوه كما فعلوا مع الإنسان؟ والثاني هل ساعد الروبوت في تقليل السلوكيات المتكررة أو النمطية للأطفال، مثل رفرفة اليد؟

ولتحديد الإجابات، أحصى الباحثون عدد مرات تحديق الطفل بالمحاور، وقياس زمن كل نظرة، وعدد مرات تقليد الطفل لإيماءات المحاور بفعالية، وعدد مرات انخراط الطفل في سلوكيات متكررة ونمطية.

وأثبتت التجربة مجملًا، تفوق الروبوت على الإنسان في استقطاب نظر الأطفال لفترة أطول، وأبدوا سلوكيات متكررة ونمطية بنسبة أقل خلال تفاعلهم مع الروبوت، وقلدوه بالقدر ذاته الذي قلدوا فيه الإنسان.

وذكر المبتكرون في ورقتهم البحثية إن النتائج توحي بأن الروبوت الجديد قادر على أن يكون مفيدًا في مساعدة الأطفال المتوحدين على تطوير مهاراتهم الاجتماعية، على الرغم من وجود احتمال لتأثير المدة القصيرة للاختبار، على النتائج، إذ أنه من الممكن أن يفقد الأطفال اهتمامهم بالروبوت خلال فترة زمنية أطول.

ولم يتأكد الباحثون بعد بشكل حاسم من النتائج ومن كون الروبوت الجديد مفيد للأطفال المتوحدين في مجالات أخرى مثل دروس المهارات الاجتماعية والعلاج السلوكي المعرفي، إذ أشاروا إلى الحاجة لإجراء دراسات أطول لتحديد إمكانيات الروبوت، إلا أنه يبدو في الوقت الحالي وسيلة فعالة لتحسين قدرة الأطفال المتوحدين على التفاعل مع البشر.

ويخطط الباحثون لتقديم نتائج دراستهم في مؤتمر رو-مان2018 الخاص بالروبوت والاتصالات التفاعلية البشرية المقرر انعقاده في الصين في 28 أغسطس/آب الجاري، تحت عنوان «الذكاء الاجتماعي في الروبوتات التفاعلية» للنظر في ودية وانفتاح الروبوت وتأثير ذلك على التطبيقات العملية في مجالات الرعاية الصحية والصناعة والترفيه.

الذكاء الاصطناعي في مواجهة التوحد

ولا تعد تجربة كيو تي روبوت الأولى من نوعها لاستثمار قدرات الذكاء الاصطناعي في مواجهة التوحد، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر براعة في التشخيص الطبي، لقدرته على تحليل كمٍ هائلٍ من البيانات أسرع من البشر.

وكشفت دراسة نشرتها مجلة ساينس ترانزيشينال ميديسن الأمريكية منتصف العام الماضي، أن الأطباء باتوا قادرين على توقع إصابة الأطفال باضطراب طيف التوحد في عمر العامَين وبمعدل دقةٍ مذهلٍ يصل إلى 96%، إذ يمزج الاختبار بين نتائج أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

وذكر رئيس معهد التوحد والاضطرابات التطورية العصبية في جامعة جورج واشنطن الأمريكية، كيفن بيلفري، إن الدراسة تطور تدابير وقائية مبكرة للتوحد.. وتحتاج تصوير الدماغ مرة واحدة فقط لتكون كفيلة لكشف المرض، ما يقلب الموازين في مجال أمراض التوحد.

تجارب عربية واعدة

وللباحثين العرب تجارب واعدة في مواجهة التوحد؛ وقبل أعوام اقترح الباحث في تقنية المعلومات والخدمات، الأردني محمد العبرا، مشروعًا لعلاج التوحد من خلال تقنية الواقع الافتراضي.

وتعتمد فكرة العبرا على إبعاد الطفل عن شعور الضيق والخجل عبر خلق بيئة افتراضية تضع المستخدم في واقع افتراضي يمثل العالم الحقيقي بشكل مصغر يمكن للمريض التعامل معه وفهمه بشكل أسرع، بمساعدة متخصصين في التربية الخاصة وعلاج اضطراب التوحد.

وتستعين تجربة العبرا بتقنيات حديثة منها نظارات الواقع الافتراضي مع شاشات تلفزيون صغيرة وسماعات للاستفادة من الإشارات البصرية والسمعية.

وقال العبرا لمرصد المستقبل «وجدنا في تقنية الواقع الافتراضي.. أملًا لحل كثير من المشكلات في مختلف القطاعات المهنية والتعليمية والسياحية والصحية وغيرها، ومن خلال دراستنا للواقع الافتراضي وجدنا أن لدينا القدرة على الانتفاع به واستخدامه بشكل إيجابي في علاج الاضطرابات النفسية وخصوصًا حالات التوحد.»