خروج القطة

في 1935 أجرى الفيزيائي إرفين شرودنجر تجربة فكرية لتصوير ظاهرتيْن غريبتين من ظواهر فيزياء الكم: التراكُب الكمي، واللاتوقُّعية؛ وصارت التجربة تُدعى «قطة شرودنجر،» وظلت أساسًا من أسس فيزياء الكم أكثر من 80 عامًا.

لكن في دراسة جديدة هدم فريق من علماء جامعة ييل الافتراض الأساسي للتجربة، في فتح قد يتيح للباحثين أخيرًا تطوير حواسيب كمومية عملية.

قاتل القطة

ربما تكون قطة شرودنجر أشهر قطة لم تعش قط -أو لم تمت قط، فالخيار خيارك-؛ وهي في التجربة محبوسة في صندوق مع قليل من مادة مشعة قد تفقد ذرة واحدة فتتحلل في غضون ساعة واحدة -وربما لا تفقدها، فالاحتمالان متعادلان-، ومع قارورة مجهزة لإطلاق سم إن تحررت الذرة.

واتصال هذه التجربة الأليمة بالفيزياء الكمومية كامن في امتناع اليقين: فما من وسيلة في تلك الساعة إلى معرفة هل القطة حية أم ميتة، فهي نظريًّا حية وميتة في الوقت ذاته، حتى يَفتح أحد الصندوق فيتيقَّن بحال القطة.

ذلك هو التراكُب الكمّي باختصار: نظام كمي يسعه أن يكون في حالتين كموميتين في وقت واحد، ومتى يقع تحت الملاحظة، «يقفز» كمّ عشوائيّ إلى حالة منهما.

إشعار مسبق

محال توقُّع متى «سيقفز» النظام الكمي من حالة إلى حالة.. هذا ما كان في ظن الخبراء حتى الاثنين الماضي، حين نشر باحثون من جامعة ييل ورقة في مجلة نيتشر تُفصِّل اكتشافهم لنظام إشعار مسبَق بالقفزات الكمية.

اعتمد الباحثون ثلاثة مولِّدات موجات ميكرويّة وتجويفًا ألمنيوميًّا وذرة اصطناعية فائقة التوصيل، فساعدهم هذا على توقُّع اللحظة التي توشك الذرة أن تقفز فيها كموميًّا، وكل ما كان عليهم أن يلاحظوا غيابًا مفاجئًا لنوع معين من الفوتونات المنبعثة من الذرة.

قال الباحث ميشيل ديفوريت في بيان صحافي «إن التأثير اللطيف الذي تجلى في هذه التجربة هو ازدياد الترابُط أثناء القفزة، على الرغم من ملاحظتها،» وأضاف زميله زلاتكو مينيف «نستطيع استغلال هذا لا في ملاحظة القفزة حسب، بل في عكسها أيضًا.»

قوة حَوْسبية

هذه القدرة على عكس القفزات الكمومية هي ما قد يساعدنا على تطوير الحواسيب الكمومية. إنّ الوحدة الأساسية للمعلومات في أنظمة الحَوْسبة الكمومية تُدعى الكيُوبِت، وهي تشبه البِتات المستعمَلة في الحَوْسبة التقليدية، لكن بدلًا من أن تكون إما 1 وإما 0، تستطيع أن تكون في الحالتين في وقت واحد.

تُغير الكيوبتات حالاتها في أنظمة الحَوْسبة الكمومية تبعًا لأخطاء حسابية، لكن بعد أن توصَّل هؤلاء الباحثون إلى طريقة لتوقُّع تلك التغيُّرات، صار بوسعهم تصحيح تلك الأخطاء سريعًا والسيطرة على البيانات الكمومية، مُتيحين تجاوز عقبة كبيرة أمام صنع حواسيب كمومية عملية.

قال مينيف «إنّ القفزات الكمومية شبيهة إلى حد بالاندلاعات البركانيّة، فتوقُّها على المدى الطويل ممتنع تمامًا؛ لكن يسعنا بحُسْن الملاحظة أن نكتشف إشعارًا مسبقًا بالكارثة الوشيكة، وأن نتصرف قبل وقوعها.»