ظل غير متوقع

يهدد التلوث والتغير المناخي صحتنا كأفراد وبقائنا كجنس بشري، وربما تبدو العلاقة المتبادلة بينهما بسيطة، فالثورة الصناعية والدخان الكثيف المنبعث من المداخن والسيارات ساهمت جميعًا في احترار العالم وتعتيم الشوارع بقدر متساو. غير أن دراسة حديثة نشرتها مجلة «جيوفيزيكال لاترز» قدمت نظرة مختلفة حين أوضحت أن التخلص من هباء التلوث الجوي قد يزيد من حدة التغير المناخي.

نشر الدراسة فريق بقيادة بيورن سامست من مركز سيسيرو لأبحاث المناخ في النرويج، ووجد الفريق أن إزالة جسيمات التلوث الناجمة عن الأنشطة الصناعية قد يسفر عن «ارتفاع إجمالي في متوسط درجة حرارة سطح الأرض يتراوح بين 0.5 و1.1 درجة مئوية مع زيادة في معدل سقوط الأمطار بنسبة تتراوح بين 2.0 % و4.6%.

وصرح بيورن لموقع فيوتشريزم «يسلك التلوث الجوي وخاصة التلوث بجسيمات الكبريت، مسلك المرايا الصغيرة في الهواء، فيعكس بعضًا من نور الشمس ما يؤدي إلى تبريد الأرض بالطريقة ذاتها التي تشعر فيها بالبرودة عندما تمشي في الظل. وسيترتب على تنقية الهواء من تلك الملوثات انخفاضًا في معدل الوفيات نظرًا لارتباطها بأمراض الجهاز التنفسي والرئتين، إلا أن هذه العملية تزيد أيضًا حدة الاحترار العالمي.»

وقال كارل فريدرتش شلايزنر أحد مؤلفي الدراسة ورئيس قسم التغير المناخي وآثاره في معهد «كلايمت أنالاسيز» -وهو معهد ألماني غير ربحي متخصص في دراسة علوم المناخ- «إن التأثير الاحتراري الناتج عن التخلص من الهباء الجوي لا يمثل اكتشافًا جديدًا، غير أن دراستنا كانت سباقة إلى حساب حجم هذا التأثير.»

وأضاف أننا إذا درسنا الأقاليم ذات التلوث الشديد كتلك الموجودة في شرق آسيا، وجدنا أنها ستعاني من عواقب وخيمة عند إزالة الهباء الجوي الناجم عن الأنشطة البشرية منها، وقال كارل «تتوقع دراستنا آثارًا شديدة على أقاليم معينة، وأن تقود آثار التغير المناخي المتسارعة في شرق آسيا إلى زيادة معدل سقوط الأمطار وحدوث ظواهر مناخية عنيفة.»

تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ

لا يعني هذا أن الباحثين يقترحون الإبقاء على مشكلة التلوث بالهباء الجوي قائمة، ولكن رسالتهم مفادها أننا لن نتغلب على التغير المناخي بمكافحة التلوث الجوي فقط.

أسفر التلوث الجوي عن أزمات صحية عامة في المدن الضخمة كبكين ولندن ونيودلهي، ولا بد من التحرك على وجه السرعة لمعالجة هذه المشكلة، وفي ظل المساعي الدولية المبذولة تحت مظلة اتفاق باريس للمناخ لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات المقررة لكل دولة، تبرز الضرورة الاستراتيجية في فهم العلاقة بين إزالة الهباء الجوي والاحترار العالمي.

وقال بيورن «تجلت مشكلة الهباء الجوي عندما قررنا خفض آثار الاحترار العالمي إلى درجتين مئويتين على الأكثر، فإذا تسببت إزالة الهباء في تفاقم الاحترار بنصف درجة أو أكثر، فلن نتمكن عندها من تحقيق ذلك الهدف نظرًا لمساهمة كل من غازات الدفيئة وعملية الإزالة في مضاعفة آثار الاحترار. ولا يمكننا حل مشكلة التلوث الهوائي تمامًا، ومن الضروري إدراك مدى حساسية المناخ تجاه هذه العملية.»

واقترح مارك جيكبسون حلًا لهذا المشكلة؛ وهو بروفسور الهندسة المدنية والبيئية في جامعة ستانفورد ومدير برنامج الطاقة والغلاف الجوي للجامعة، إذ صرح لموقع فيوتشريزم أن «الاستراتيجية الأمثل من منظور صحي ومناخي هي بالتحول التام نحو الطاقة النظيفة والتخلص من غازات الدفيئة وجميع جسيمات الهباء الجوي في آن.»

اكتشف مارك أن خفض الانبعاثات انتقائيًا لن يزيد من حدة الاحترار العالمي، وسيحسن الصحة البشرية، وذلك وفقًا لما اقترحته دراسة في جامعة ستانفورد. ويعتقد مارك إجمالًا أن لا وجود لسياسة سليمة تقبل التركيز بصورة فردية على إزالة الهباء الجوي فقط، وأضاف «أن السياسات الأمثل هي تلك التي تسفر عن تحول الاعتماد من مصادر الوقود الأحفوري إلى المصادر المتجددة تمامًا.»

وردًا على اعتراضات مارك، شرح بيورن أن الحل المتوازن يعد بلا ريب أفضل الحلول الممكنة، لكن لا يرجح أن يحدث بوسيلة محكومة، وأضاف بيورن «سيُخفّض التلوث الهوائي في جميع الأحوال، وتسعى جهات مختلفة حاليًا للحد منه لأسباب صحية، ولن نستطيع سوى التعامل مع النتائج.»

تبقى التساؤلات عن كيفية تنفيذ سياسات مكافحة التلوث قائمة، لكن لا مناص من خفض الانبعاثات الكربونية، وقال بيورن «إذا أبدينا استعدادًا تامًا لمكافحة التغير المناخي، فعلينا الحد من انبعاثات غازات الدفيئة بسرعة قصوى، ولدينا من الأسباب ما يدفعنا للتحرك، ولا تمثل مشكلة الهباء الجوي سوى سببًا إضافيًا لذلك.»