خيارات صعبة من أكبر الحوائل دون انتشار الطاقة المتجددة: أنها طاقة لا تتوفر بمعدلات إمداد ثابتة، ولذا يلزم تخزينها؛ لكن ليس بين أيدينا حاليًّا وسيلة تخزين قابلة للتنمية والتطوير. فماذا إن كان الحل موجودًا بالفعل؟ الحقّ أن الطاقة النووية قد تكون الحل على المدى القصير والطويل، فهي طاقة نظيفة، على الرغم مما يحوم حول سمعتها من شبهات.

العامّيّ متى سمع كلمة «نووي،» تبادر إل ذهنه الدمار الكارثي الذي تُسببه الأسلحة النووية، والخراب الذي تخلّفه أي حادثة نووية، ولا سيما: الحرب العالمية الثانية، وحادثة جزيرة الأميال الثلاثة في 1979، وتشيرنوبل في 1986، وأخيرًا فوكوشيما في 2011؛ فما أسوأ الصورة التي رسمتها تلك الحوادث في أذهان العوامّ عن الطاقة النووية، وما أشد الخوف الذي زرعته في قلوبهم من الإشعاع والأخطار المتصلة بهذه الطاقة. لكن أهذا الخوف في محله حقًّا؟

الحق أن المحطات النووية تُصدر إشعاعًا أقل مما تُصدره مصادر الطاقة الأخرى، خصوصًا الفحم، فهو عندما يُحرق لاستخراج الطاقة منه، يلوث الغلاف الجوي بمنتَج ثانوي يُدعى «الرماد المتطاير؛» وفيه أيضًا كميات ضئيلة من اليورانيوم والثوريوم المُشِعَّين، اللذين يزداد تركيزهما فيه عند حرقه زيادة تصل إلى 10 أضعاف؛ وهذا يجعل الفحم يَبعث في بيئته المحيطة إشعاعًا أكبر بنحو 100 ضعف مما تبعثه محطة نووية –على افتراض تَساوي كمية الطاقة الصادرة–،وهذا طبعًا له أثره في التربة وطعامنا وشرابنا.

المحطات النووية كغيرها من مصادر الطاقة النظيفة: قليلة الانبعاثات الكربونية؛ صحيح أن إنتاج الطاقة النووية لا يُصدر انبعاثات كربونية في ذاته، لكنها تَصدر من عمليات متعلقة ببناء المحطات واستخراج اليورانيوم وطحْنه... إلخ.

وأما الطاقات النظيفة الأخرى –الشمسية والرياحية مثلًا– فتُواجه مشكلات في الكفاءة تجعلها أدنى جدًّا من الطاقة النووية، ومن هذه المشكلات مشكلة «التقطُّع،» وهو مصطلح يشير إلى عجز مصادر الطاقة المتجددة عن إنتاج الطاقة باستمرار طول اليوم على مدار الأسبوع، فالشمس ليست مشرقة دائمًا، والرياح ليست في هبوب دائمًا؛ والعلماء قاسُوا معامل الحمل لمختلف أنواع محطات الطاقة الأمريكية، فوجدوا معامل حمل محطات الطاقة النووية 92.3%، أي إنها تعمل بكامل طاقتها 336 يومًا في العام (365 يومًا)، ولا تعمل في بقية الأيام لإجراءات الصيانة لا غير؛ خلافًا لمُعامل محطات الطاقة الكهرومائية البالغ نحو 38%، ومعامل توربينات الرياح البالغ 34.5%، ومعامل محطات الطاقة الشمسية البالغ 25%.

فكيف يبدو مستقبل الطاقة النووية إذن؟ صورته مبهمة فعلًا، لكن توجد 3 اتجاهات واعدة:

الأول: تطوير «المفاعلات السريعة» المعتمِدة على دورة وَقُودِيّة مغلقة، أي إنها تعيد تدوير الوقود لتوليد طاقة أكثر؛ وفي هذا حل لمشكلة نووية كبيرة، ألا وهي النفايات النووية؛ فهي على رغم كميتها القليلة نسبيًّا (إجمالي كمية النفايات منذ 1950 يسع ملعب كرة قدم واحد عمقه 9 أمتار)، تُعد مشكلة كبيرة نظرًا إلى متوسط عمرها الطويل نسبيًّا؛ لكن إعادة تدويرها بواسطة المفاعلات السريعة تُمكِّننا من إنتاج طاقة أكبر بنحو 60-70 ضعفًا لكل كيلوجرام من اليورانيوم، مقارنة بما تنتجه التقنيات الحالية؛ وهذا يرفع كفاءة الطاقة النووية ويزيد استدامتها، ويخفف مشكلة النفايات والإدارة الطويلة المدى.

الثاني: تطوير «مفاعلات الوحدات الصغيرة،» ومعنى «صغيرة» أنها تولِّد أقل من 300 ميجاواط من الكهرباء (لاستيعاب الرقم: 200 ميجاواط من الطاقة التي يولِّدها «مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية» يقدَّر أنها كافية لتشغيل 60,000 منزل، ويُحتمَل أن 300 ميجاواط قادرة على تشغيل 90,000). وفكرة هذه المفاعلات أنه تُصنَع مسبقًا على شكل وحدات نموذجية، قبل نقلها إلى المواقع المحتاجة إليها –التي غالبًا ما ستكون مناطق نائية أو نامية–. وأهم ما يميز هذه المفاعلات قلة تكاليفها والوقت اللازم لتشييدها، وإمكانية استعمالها بدل محطات الوقود الأحفوري القديمة؛ فمن المشكلات التي تواجهها الطاقة النووية دون غيرها من صور الطاقة: ارتفاع التكلفة جدًّا، وطول الوقت اللازم للإنشاء والتطوير.

لا جدال في أن «الاندماج النووي» سيكون من أكبر الإنجازات العلمية في تاريخنا إذا استطاع العلماء تحقيقه. معلوم أن المحطات النووية الحالية تولّد طاقتها بواسطة «الانشطار،» وهو عملية تُشطر فيها نواة ذرية إلى نَوَيات أصغر، فتتولد طاقة تُحوَّل بعدئذ إلى كهرباء؛ وأما الاندماج فعكس الانشطار، لكن تأثيره أكبر جدًّا، وهو الآلية التي تولِّد بها النجوم –شمسنا مثلًا– طاقتها؛ ويحدث عندما تندمج نواتان لتشكيل نواة أثقل، ويرى العلماء طاقته «نظيفة ولا حد لها تقريبًا،» نظرًا إلى كمية الطاقة الهائلة التي تتولد من كمية موارد قليلة.

قد تكون سمعة الطاقة النووية ساءت عالميًّا، لكن هذا لم يقوِّض رغبة بعض الدول في بحث هذا المجال وفي إنشاء محطات نووية، ومن هذه الدول الإمارات العربية المتحدة، التي شرعت في 2011 في إنشاء محطتها النووية الأولى وسمتها «براكة.» وفي استطلاع أُجري في 2018 ونُشر في 2019 تَبيَّن أن 85% من سكان الإمارات يدعمون برنامجها النووي، وهذا يوضح أن الحكومات تستطيع بالتعليم العام المناسب أن تُحوِّل مجرى الرأي العام.