إمكانيّات مبشّرة

على الرغم من الحداثة التي حقّقها العالم، ما زالت بعضُ الأمراض عصيَّةً على العلاج. ويُعَدّ السكّريُّ أحدَ هذه الأمراض، ويعاني منه أكثرُ من 422 مليون شخص في العالم وفقًا لمنظّمة الصحّة العالميّة. يشتهر السكّري بأنه اضطراب في مستويات سكّر الدم، وينقسم إلى نوعين: نوعٌ معتمدٌ على الأنسولين ويُسمّى سكّري النمط الأوّل، ونوعٌ غيرُ معتمدٍ على الأنسولين ويُسمّى سكّري النمط الثاني.

وصرّحت مؤسَّسَةُ أبحاث سكّري اليافعين أنّه يوجَدُ حوالي 1.25 مليون شخص مصاب بسكّري النمط الأول في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وما زال سببُ هذا النوع من الداء السكّري مجهولًا، ويَعتمدُ علاجُه على حقن الأنسولين في جسم المريض يوميًّا. ولا يوجَدُ شفاءٌ معروفٌ من سكّري النمط الأوّل. إلّا أن باحثين من كليّة ميلر للطب في جامعة ميامي جعلوا من ذلك أمرًا ممكنًا.

في دراسةٍ نُشِرَت في مجلّة نيو إنجلاند الطبيّة، لخّص الباحثون كيف استطاعت تجاربُ زراعة خلايا الجزر البنكرياسيّ ضمن الثرب في أن تفيدَ لعلاج سكّري النمط الأوّل. والثربُ نسيج غشائيّ يغطّي الأعضاءَ الموجودةَ في البطن. وكَتب الباحثون في الدراسة «تستطيعُ زراعةُ الجزر البنكرياسيّة إعادةَ سكّر الدم إلى مستوياته السويّة وعلاج حالات نقص سكّر الدم الشديدة في مرضى سكّري النمط الأوّل… ويصلحُ الثربُ لزراعة الجزر بسبب اكتناز سطحِه بالأوعية الدمويّة، وتصريفِه الوريديّ في الجهاز البابيّ، وسهولةِ الوصول إليه جراحيًّا.»

التحرّر من الأنسولين

تُعد الجزرُ البنكرياسيّة تجمُّعاتٍ من الخلايا الصمّاوية «غُدَد صَمّاء» التي تنتشر في البنكرياس وتنتجُ هرمونَ الأنسولين وهرمونَ الجلوكاجون في الشخص السليم. وَجدَ الباحثون أنّ جَمْع زرعاتٍ من هذه الجزر مع بلازما دم المريض يعطي كفاءةً عالية في زرع الجزر في الثرب. وفاقت هذه التجربةُ محاولاتٍ سابقة سعت لزرع الجزر في الكبد، والذي كان يؤدّي إلى الالتهاب. يصبحُ الثربُ بعد هذه العمليّة أشبهَ ببنكرياس صغير ينتجُ الأنسولين لمرضى سكّري النمط الأوّل. وقال ديفد بايدال مشرفُ البحث لموقع إنجادجيت «أظهرت النتائجُ حتّى الآن أنّ الثربَ موقعٌ ملائمٌ حيويًّا لزراعة الجزر بهذه التقنية الجديدة.»

خُفِّضَت جرعةُ الأنسولين تدريجيًّا في المرضى الذين دخلوا في التجربة بعد 17 يومًا من زراعة الجزر. وأظهرت مستوياتُ سكّر الدم لديهم تحسُّنًا ملحوظًا عقب ذلك. ووفقًا لما جاء في الدراسة «بعد 12 شهرًا من الزرع، كان مستوى السكر بعد 90 دقيقة من اختبار تحمّل الغذاء المختلط لخمس ساعات 266 مليجرام/ديسيلتر [14.6 مليمول/لتر،] ثمّ انخفض إلى 130 مليجرام/ديسيلتر [7.1 مليمول/لتر] بعد 300 دقيقة.»

قد لا تكون هذه الدراسةَ الوحيدةَ التي تسعى لحلّ مشكلة داء السكّري، إلّا أنّها الدراسةُ الأولى التي تُوفّر للمرضى مصدرًا مستقرًّا للأنسولين داخل أجسامهم لتخلّصهم من الحاجة إلى حقن الأنسولين اليوميّة. وأجريَت دراساتٌ مشابهةٌ لعلاج سكّري النمط الثاني وإنهاء حاجة المصابين به إلى أدويتهم.

ما زالت هذه النتائجُ تحتاجُ وقتًا للتأكّد من إمكانيّة تطبيقها. وقال بايدال «ستُحَدِّد البياناتُ المُجمَّعةُ من دراستنا ومن المراقبة طويلة الأمد لزرعات الجزر البنكرياسية في الثرب إمكانيَّةَ تطبيق تقنية زراعة الجزر وأمانَها على المرضى، لكنّنا سعيدون بما نشاهده من نتائج حاليًّا.»