تشير التوقعات العالمية لاستهلاك الطاقة إلى أن الفحم سيبقى مصدرًا رئيسًا للطاقة خلال العقود المقبلة، وقد تزداد وتيرة استخدامه في عمليات تسييل الفحم، أي تحويله إلى وقود سائل.

طور باحثون من المعهد الوطني للطاقة النظيفة ذات الانبعاثات الكربونية المنخفضة في بكين وجامعة آيندهوفن للتقنية عوامل مساعدة جديدة من الحديد، وقد تؤدي إلى خفض تكاليف تشغيل مصانع تسييل الفحم إلى حد كبير، فضلًا عن إفساح المجال أمام التقاط كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون الناجم عن تحويل الفحم إلى وقود سائل.

ونشرت النتائج في مجلة ساينس آدفانسيز.

وفي البداية لا بد من تسليط الضوء على عمليات تسييل الفحم لفهم أهمية ما توصل إليه الباحثون: تبدأ هذه العملية بتحويل الفحم إلى غاز اصطناعي، وهو مزيج من أول أكسيد الكربون وجزيء الهيدروجين، ثم يُحوّل هذا الغاز إلى وقود سائل في عملية فيشر-تروبش، لكن لا يمكن لهذه العملية أن تنجح إلا بإدخال تعديلات إلى تركيب الغاز الاصطناعي يزال من خلالها نسبة من أول أكسيد الكربون بتحويلها إلى ثاني أكسيد الكربون فيما يسمى بتفاعل تحول الغاز-الماء.

وتطرق الباحثون في دراستهم إلى مشكلة رئيسة في المواد المتفاعلة خلال عملية فيشر-تروبش، إذ تدعو الحاجة -كما هو الحال في معظم التفاعلات الكيميائية- إلى عوامل مساعدة لإتمام التفاعلات الكيميائية، وتتكون العوامل المساعدة في تفاعلات تسييل الفحم بصورة رئيسة من الحديد، غير أن انخراط هذه العوامل يؤدي إلى تحول نحو 30% من أول أكسيد الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون، وهو ناتج ثانوي غير محبذ نظرًا لصعوبة التقاطه، إذ ينبعث عادة في كميات ضخمة مستهلكًا كثيرًا من الطاقة بلا أدنى فائدة.

اكتشف باحثو جامعة آيندهوفن وبكين أن انبعاث ثاني أكسيد الكربون يحدث نتيجة لتلوث العوامل المساعدة بالشوائب، لذلك طوروا شكلًا نقيًا من مركب السمنتيت يدعى كربيد الحديد إبسلون، ويمتلك هذا المركب نزعة انتقائية قليلة جدًا تجاه ثاني أكسيد الكربون؛ أي أنه لا ينتج هذا الغاز إلا بنسب ضئيلة جدًا، وعلى الرغم من اكتشاف هذا المركب في السابق، لم يتمكن أحد حتى الآن من إنتاج شكل مستقر منه كفاية لعملية فيشر-تروبش. وصرح الباحثون أن هذه الحالة من عدم الاستقرار نجمت عن الشوائب الموجودة في العوامل المساعدة، وأشاروا إلى أن مركبهم الجديد يبقى مستقرًا في ظل ظروف المعالجة الصناعية التقليدية، أي بضغط يعادل 23 بار وحرارة تصل إلى 250 درجة مئوية.

ويقضي العامل المساعد الجديد على معظم ثاني أكسيد الكربون الناتج خلال تفاعل فيشر-تروبش، ما يخفض الطاقة اللازمة لإتمام العملية، ويقلل كذلك التكاليف التشغيلية لمصانع تسييل الوقود بما يعادل 29 مليون دولار تقريبًا، فغازات ثاني أكسيد الكربون التي انبعثت سابقًا في عملية فيشر-تروبش بات بالإمكان إزالتها خلال عملية تحول الغاز-الماء السابقة لها. وهي حقًا أخبار جيدة، لأن التجربة بينت أن التقاط الكربون في هذه العملية أسهل كثيرًا من التقاطه في العمليات الأخرى، ويعزى الفضل في ذلك إلى تقنية التقاط الكربون واستخدامه وتخزينه واختصارها «سي سي يو إس» وهي من تطوير فرق بحثية أخرى، ويجري حاليًا اختبارها في مصانع تجريبية عديدة.

وتكتسي عمليات تسييل الفحم أهمية خاصة في الدول الغنية بالفحم التي تحتاج إلى استيراد النفط من أجل إمداداتها من الوقود السائل، مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وصرح الباحث الرئيس الأستاذ إميل هنسون من جامعة آيندهوفن للتقنية «ندرك أن تقنيتنا الجديدة تسهل استخدام مصادر الوقود  الأحفوري المشتقة من الفحم، ويرجح كثيرًا أن تستمر الدول الغنية بالفحم في استخدام احتياطيات الفحم في العقود المقبلة، ونسعى لمساعدتهم في إنجاز هذه العملية بأكثر السبل استدامة.»

ومن المرجح أن تؤدي نتائج البحث إلى تقليص الجهود اللازمة لتطوير العوامل المساعدة المستخدمة في تسييل الفحم، وخاصة تلك المصنعة من الكوبالت، إذ لا تعاني العوامل المساعدة المصنعة من الكوبالت من مشكلة ثاني أكسيد الكربون، لكنها باهظة الثمن، وتزداد ندرتها تدريجيًا نتيجة لدخول الكوبالت في صناعة البطاريات، والتي تشكل نصف إجمالي استهلاك الكوبالت.

ويتوقع إميل أن يلعب هذا العامل المساعد دورًا مهمًا في مستقبل الصناعات الكيميائية الأساسية وإنتاج الطاقة، ولن تكون المواد الخامة حينها غازًا أو فحمًا، بل نفايات وكتلًا حيوية، وسيبقى الغاز الاصطناعي العنصر الأساسي في هذه العملية والمنتج الوسيط في تحول المواد الخام الجديدة.