الدماغ البشري سريع جدًّا ويجري عمليات معقدة في جزء من الثانية، ووحدات المعالجة الحاسوبية قد تتفوق عليه في المعالجة التسلسُلية، لكن نقل البيانات بين الوحدة والذاكرة يبطِّئ الحواسيب ويستهلك طاقتها؛ ولهذا قد يكون الحل الأمثل استخدام «الأنظمة شبه العصبية» المحاكِية للجهاز العصبي البشري التي تجمع بين الذاكرة والمعالجة.

وهذا المفهوم ليس جديدًا، فهو في تطور منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين وضعه العالم كارفر ميد، وصار يُدعى الحوسبة شبه العصبية؛ وهو معتمِد على «دارات التكامل الفائق» القائمة على دوائر إلكترونية تناظرية مرتَّبة بما يتيح لها محاكاة البنى البيولوجية العصبية البشرية.

وفي حوار مع مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» أوضح ديمتري ستروكوف، المهندس الكهربائي بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، أن أبحاث هذه الحوسبة وتنميَتها مهمة للذكاء الاصطناعي من جهة، ولتجاوز عتبة «قانون مور،» وحفظ الطاقة بإدماج الذاكرة والمعالجة كما في الدماغ البشري، من جهة أخرى.

وقد يتراءى أن هذا ممكن في المستقبل البعيد، لكن شركة إنتل أصدرت في 2017 خامس رقاقاتها شبه العصبية: رقاقة «لُوِيهي،» وهي معالج بحثي ذاتي التعلم كثير النوى، فيه مليارا ترانزستور و130,000 عصبون اصطناعي و130 مليون مشبك عصبي، وكل هذا في رقاقة بدقَّة من رتبة 14 نانومترًا.

وجاء في ورقة إنتل البحثية الخاصة بالرقاقة «وفيها مجموعة كبيرة من بدائع خصائص هذا المجال، مثل: الاتصالية الهرمية والحُجيرات التغصُّنية والتأخير المشبكي، والأهم هو قواعد التعلم المشبكية القابلة للبرمجة.»

ومؤخرًا تعاقدت الشركة مع مختبرات سانديا الوطنية لثلاثة أعوام من البحث في قيمة الحوسبة شبه العصبية للذكاء الاصطناعي والأمن الوطني؛ وبالفعل سلّمتها الشركة نظامًا لُوِيهيًّا من 50 مليون عصبونًا لتستهل به بحثها.

وإضافة إلى هذا أصدرت الشركة إلى «مجتمع إنتل للبحث شبه العصبي» نظامًا من 100 مليون عصبون يُدعى «بوهُيكي اسبرنجز،» لتبيين أن الحوسبة شبه العصبية تقدم كفاءة طاقيّة أعلى مما تقدمه أفضل وحدات المعالجة الحالية لمواجهة التحديات الهندسية والعلمية الراهنة.

وترسم هذه الأبحاث والتحالفات إطارًا لأفضل التطبيقات المحتمَلة للحوسبة شبه العصبية، من النمذجة الفيزيائية وتحليل الرسوم البيانية إلى الشبكات العميقة الموسَّعة.

لكن هذه التطويرات لا تخلو من المُقلِقات، فكونها محاكاة للدماغ البشري يثير مخاوف وأسئلة أخلاقية: ماذا سيحدث في المستقبل حين نجد أنفسنا مع آلات فائقة ذاتية لها شبكات عصبية شبيهة بشبكات الإنسان؟ مثل هذا حاليًّا في علم الغيب، لكن الأكيد أن الحوسبة شبه العصبية ستُحدث طفرة في مجال الذكاء الاصطناعي مستقبلًا.