استطاع فريق كلية لندن الإمبراطورية القضاء على مجموعة من بعوض الأنوفيلة الغامبية بمرور سبعة أجيال إلى أحد عشر جيلًا منها. وتُعَدُّ هذه المرَّة الأولى التي ينجح فيها العلماء في كبح القدرة التناسلية لدى كائنات حية معقّدة مخبريًّا من خلال مقاربة على المستوى الجزيئي.

استخدم الفريق تقنية تُسمَّى محرّك الجينات لاستهداف أنواع محدَّدة من البعوض وهي الأنوفيلة الغامبية التي تلعب دور الناقل لمرض الملاريا في صحارى إفريقيا. ويوجد نحو 3500 نوع من البعوض حول العالم، يرتبط 40 نوعًا منها فحسب بهذا المرض.

ويأمل الباحثون أن يطلقوا أنواع البعوض المستهدفة بتقنية المحرّك الجيني في المستقبل لنشر العقم الجنسي بين إناث البعوض وإحداث خلل في نموّ هذه الحشرات وتكاثرها.

وقُدِّر عدد حالات الملاريا بنحو 216 مليون حالة أدَّت إلى نحو 445 ألف وفاة في عام 2016، معظمها بين الأطفال دون الخامسة من العمر. وقال أندريا كريسانتي أستاذ قسم علوم الحياة في الكلية الإمبراطورية «تُعَدُّ سنة 2016 السنة الأولى التي لا ينخفض فيها عدد حالات الملاريا على الرغم من الجهود والموارد المبذولة سنويًّا، ما يشير إلى حاجتنا لأدوات جديدة لحل هذه المشكلة الصحّية.»

وتمثّل الدراسة التي نُشِرت في مجلة نيتشر للتقانة الحيوية أوَّل تجربة تنجح في كبح تكاثر نوع حيوي باستخدام تقنية المحرّك الجيني، وتتغلَّب هذه الطريقة على مشكلات مقاومة الملاريا للأدوية المتاحة.

وأضاف الأستاذ الجامعي كريسانتي «يمنحنا هذا البحث أملًا جديدًا لمكافحة مرض وبائي منتشر في العالم منذ قرون. ما زلنا بحاجة إلى العمل والتنسيق مع الدول الموبوءة واختبار التقنية في مختبرات كبيرة قبل إتاحتها للتطبيقات السريرية… وربَّما يستغرق الأمر 5 – 10 أعوام قبل إطلاق أي بعوضة تحمل المحرّك الجيني في الطبيعة، لكنَّنا نضع أيدينا على أدلّة مشجّعة تخبرنا أنَّنا في الطريق الصحيحة. ستتمتَّع تقنية المحرّك الجيني بما يلزم للقضاء على الملاريا وستستطيع التغلُّب على عوائق علاج الملاريا في الدول النامية.»

ويُسمَّى الجين الذي استهدفه الفريق في الأنوفيلة الغامبية: دبلسكس، ويلعب هذا الجين دورًا في تحديد جنس البعوض إمَّا ذكرًا أو أنثى.

وصمَّم الفريق نموذج محرّك جيني مخصّص لتعديل منطقة محدَّدة في جين دبلسكس تتعلَّق بنموّ البعوضة الأنثى. ولم تظهر ذكور البعوض الحاملة لهذا الجين المعدَّل أي تغييرات ملحوظة، وكذلك إناث البعوض الحاملة لنسخة واحدة منه. إلَّا أنَّ إناث البعوض الحاملة لنسختين من الجين أظهرت صفات ذكرية وأنثوية في الوقت ذاته، ما أدَّى إلى عجزها عن اللدغ ووضع البيض.

وأوضحت هذه التجربة أنَّ تقنية المحرّك الجيني نجحت في تعديل الجينات بنسبة 100%. وبعد إنماء ثمانية أجيال من البعوض، انخفض عدد الإناث تكفي لاستكثار البعوض ما أدَّى إلى موت كامل السرب.

عانت التجارب السابقة لتطوير محرّك جيني يكبح التكاثر من مقاومة حيوية، إذ أحدث الجينات المعدَّلة طفرات تتيح لها أداء وظائفها، ولم تتأثر الطفرات الجينية بالمحرّك الجيني، بل تستطيع أيضًا الانتقال إلى سلالة البعوض معطِّلةً عمل المحرّك الجيني بالكامل.

اختير جين دبلسكس لأنَّه لا يتحمَّل التطفُّر وفقًا للدراسات التي أجريت عليه، وأسهم هذا الاختيار في التغلُّب على عوائق التجارب السابقة. وأثبتت تجربة كلية لندن الإمبراطورية صحَّة هذا الافتراض، إذ لم تستطع أي نسخة متطفّرة من جين دبلسكس مقاومة عمل المحرّك الجيني.

لا ريب أنَّ هذه التجربة هي الأولى التي تنجح في التغلُّب على مشكلة مقاومة العلاج في الملاريا، لكنَّ الفريق يؤكّد على ضرورة إجراء تجارب أخرى لدراسة كفاءة الطريقة وثبات المحرّك الجيني تحت ظروف مخبرية تحاكي البيئة المدارية. وتشمل هذه التجارب اختبار التقنية على جمهرة بعوض أكبر تُنمَّى في وسط طبيعي أكثر حيث تتنافس الحشرات على الغذاء وتخضع للعوامل البيئية المختلفة التي قد تؤثّر على آليَّة عمل المحرّك الجيني.

يوجد جين دبلسكس الذي استهدفته التجربة بأشكال مختلفة قليلًا في أنواع متعددة من الحشرات، ويبشر ذلك بإمكانيَّة استخدام تقنية المحرّك الجيني في المستقبل لاستهداف حشرات أخرى تنقل الأمراض.

ومن المهمّ الإشارة إلى بحث آخر نشرته كلّية لندن الإمبراطورية حديثًا يوضح أنَّ كبح نموّ جمهرة بعوض الأنوفيلة الغامبية في مساحة جغرافية صغيرة لا يؤدّي إلى اختلال التوازن البيئي.