تصدرت أخبار فيروس كورونا المستجد وكيفية انتشاره والعلاجات المحتملة له نشرات الأخبار منذ ظهوره أواخر العام الماضي، وقد يكون هذا الكم الهائل من الأخبار محيرًا للناس، خاصةً لمن لم يتعمقوا بعلم الفيروسات أو علم المناعة.

قرر أروب تشاكرابورتي أستاذ الهندسة الكيميائية في معهد ماساتشوستس للتقنية وأندري شاو من شركة جينينتيك مساعدة الناس في تفسير المعلومات الجديدة التي نعلمها عن الفيروس، فكتب لمحة عامة عن الفيروسات، وكيفية ظهور الأوبئة، وشرح أيضًا كيف يجابه جهاز المناعة البشري الفيروسات، وعلم النماذج الوبائية واللقاحات والعلاجات.

وقال تشاكرابورتي إن الكتاب الناتج -والذي وصدر الكتاب بشكل إلكتروني يوم الثامن من سبتمبر/أيلول وسيصدر بشكل ورقي خلال شهر فبراير/شباط المقبل - «الفيروسات والأوبئة والمناعة» سيوفر قاعدة مهمة لأي شخص يريد أن يفهم بشكل أفضل تعقيدات تفشي فيروس كورونا المستجد بالإضافة إلى الأوبئة السابقة والمحتملة في المستقبل.

وأضاف «يقدم الكتاب مفاهيم وحقائق جديدة عن كيفية ظهور الفيروسات المسببة للأمراض المعدية وكيفية انتشارها وكيف نكافحها طبيعي وكيف يمكننا مكافحتها باللقاحات والعلاجات وطريقة بناء عالم أكثر قدرة على الصمود أمام الأوبئة.»

منظور تاريخي

لعبت الأوبئة أدوارًا رئيسة في مجرى تاريخ البشرية، خاصة بعد ان بدأ البشر بالعيش معًا في أماكن متقاربة بعد تطور الزراعة منذ أكثر من 10 آلاف عام، وتسببت الأمراض المتفشية مثل الطاعون الدبلي والجدري والحمى الصفراء والإنفلونزا والأمراض المعدية الأخرى في خسائر فادحة في البشر.

واستطاعت البشرية خلال القرن العشرين تحقيق خطوات كبيرة ضد الأمراض المعدية بسبب ثلاثة عوامل رئيسة: تحسين الصرف الصحي واكتشاف المضادات الحيوية وتطوير لقاحات ضد العديد من الأمراض الفتاكة، ما دعا كثير من الناس إلى الظن بأن الأمراض المتفشية أصبحت جزءًا من الماضي.

وقال المؤلفان «لقد ذكّرنا هذا الوباء بأن الأمراض المعدية تشكل تهديدًا وجوديًا للبشرية مثلما كانت دائمًا من قبل.» وأوضحا بأن الفيروسات، وخاصة تلك التي تتكون مادتها الوراثية من الحمض النووي الريبي، سبب أساسي في تشكل الأوبئة، وذلك لأن فيروسات الحمض النووي الريبي أكثر عرضة لارتكاب أخطاء أثناء نسخ مادتها الفيروسية، ما أتاح في بعض الأحيان بحدوث طفرات تتيح لها الانتقال بين أنواع الكائنات الحية. ويظن العلماء أن طفرة في فيروس كورونا المستجد مكّنته من الانتقال من الخفافيش إلى البشر.

التقدم الطبي

يمتلك جسم الإنسان دفاعات ضد العدوى، لكنها لا تنجز المهمة دائمًا لوحدها، وأثبتت اللقاحات أنها سلاح رئيس ضد الأمراض المعدية، وطور البشر أول لقاح خلال العام 1796 للوقاية من الجدري، والذي يتكون من فيروس يسمى جدري البقر غير المؤذي للبشر، لكنه يشبه الجدري لدرجة تكفي لتكوين استجابة مناعية ضد المرض.

يصف الكتاب أنواعًا عديدة من اللقاحات، ومنها اللقاحات الموهنة والتي تتكون من شكل مضعّف من الفيروس أو الجرثوم، واللقاحات التي تحتوي على مسببات الأمراض المقتولة، ولقاحات التي تحتوي فقط على جزء من العامل الممرض، وتمتاز الأخيرة بسرعة تطويرها، إذ طورت شركة موديرنا لقاحًا ضد فيروس كورونا المستجد -يخضع حاليًا لمرحلة التجارب السريرية- بعد شهرين فقط من ظهور المرض.

أحد العوامل التي تجعل المؤلفين متفائلين بشأن تطوير لقاح ضد فيروس كورونا المستجد هو أن الفيروس لا يتغير بسرعة على عكس الفيروسات التي تحتوي على الحمض النووي الريبي الأخرى، مثل فيروس نقص المناعة البشرية والإنفلونزا، ويقول تشاكرابورتي «قد لا يكون من الصعب صنع لقاح ضده، خاصة مع الجهود غير العادية التي يبذلها العلماء.»

قد تؤدي الدروس المستفادة من هذه الجهود المكثفة والأبحاث الحالية حول اللقاحات ضد مسببات الأمراض شديدة التغير إلى خطوات مستقبلية تتيح تطوير لقاحات ضد الفيروسات الأخرى مثل فيروس نقص المناعة البشرية والذي لا يوجد لقاح ضده حتى بعد عقود من الأبحاث.

أثبتت الأدوية المضادة للفيروسات أيضًا نجاحها ضد بعض الأمراض مثل فيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد ج (التهاب الكبد سي)، إذ تستهدف هذه الأدوية الفيروسات خلال العديد من المراحل المختلفة لدورة حياته، وتمنع الفيروسات من الارتباط بمستقبلات الخلايا التي تتيح لها دخول الخلايا أو تمنعها من التكاثر داخل الخلايا.

يحاول العلماء في كثير من الأحيان إعادة استخدام الأدوية القديمة عند ظهور فيروس جديد، لأن تطوير دواء جديد مضاد للفيروسات يستغرق وقتًا طويلاً، ومنحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تصريحًا لاستخدام عقار ريمديسيفير -الذي يمنع تكاثر الفيروسات- لعلاج الإصابة بفيروس كورونا المستجد.

وقال شاو «كان العديد من الأطباء غير مستعدين عندما ظهر فيروس كورونا المستجد لأول مرة، ولكن بمرور الوقت أصبحنا أكثر دراية به، ولدينا خبرة أفضل بكيفية معالجة الإصابات بهذا الفيروس.»

خطوات مستقبلية

يأمل تشاكرابورتي وشاو أن يساهما -بالإضافة إلى تقديم فهم أفضل للجمهور العام للمبادئ العلمية للفيروسات واللقاحات والعلاجات- في إلهام الشباب للسير في هذا المجال وأن يساعد كتابهما السياسيين في اكتساب فهم أفضل للأوبئة واتخاذ القرارات التي تساعد في مكافحة فيروس كورونا المستجد وتفشي الأمراض في المستقبل.

ويرى تشاكرابورتي وشاو أنه لا بد من من العمل على عدة جبهات لمواجهة الأوبئة في المستقبل، ويشمل ذلك تحسين التشخيص المبكر والمراقبة والنمذجة الوبائية، ووضع خطط أفضل لتطوير اللقاحات والأدوية المضادة للفيروسات وتسهيل عمليات تصنيع اللقاحات، ويتطلب هذا شراكات بين الحكومة وقطاع صناعة الأدوية والأوساط الأكاديمية.

وكتب تشاكرابورتي وشو في خاتمة الكتاب «نحتاج إلى إنشاء نظام متكامل من التقنيات التي ستساعدنا على الاستعداد للاستجابة بسرعة وفعالية في المرة المقبلة، وذلك بناءً على تاريخنا في المعارك مع الفيروسات والدروس الأخيرة المستفادة من جائحة فيروس كورونا المستجد، ما يساعد في إنقاذ الملايين من البشر وتوفير تريليونات الدولارات.»