باختصار
ستتمكّن البشرية من مجاراة الذكاء الاصطناعي البحت من خلال جمع مصادرنا الفكرية، وهذه الأسباب التي ستدفعنا إلى ذلك.

ملاحظة: هذا هو الجزء الثاني من المقال. اقرأ الجزء الأول من هنا.

يقول العديدون إنه باستطاعتنا وضع حدود تمنع الذكاء الاصطناعي من أن يصبح خطراً، ولكنهم يغفلون حقيقة أن هذه التقنيات هي خطرة أساساً، فقد واجهت البشرية خصماً يفهمها بطريقة تفوق فهمها له، وهو ألفاجو، الذي صدم مجتمع الذكاء الاصطناعي من خلال التغلب على اللاعب المحترف في 4 من أصل 5 ألعاب.

والشيء الوحيد الذي ننتظره الآن هو أن يقوم المبرمجون بتطبيق هذه التقنيات ضمن مجالات أكثر أهمية في حياتنا من ألعاب الطاولة، وسيحصل ذلك بشكلٍ مؤكد، وستتطوّر القدرة لهذه التقنيات بشكلٍ ثابت، مما سيضعنا في موقفٍ غير متكافئ أكثر وأكثر، ويبدو أنه من المقدر لنا أن يتم التغلّب علينا، ليس فقط في لعبة جو وإنما في عدد لا يحصى من المواقف الاستراتيجية، فماذا نحن فاعلون؟

مجاراة الذكاء الاصطناعي

وجهة نظري هي أنه يجب على البشر أن يبقَوا متفوّقين بخطوة في سباق الذكاء هذا، حيث يتم استكشاف العديد من التقنيات التي تهدف لرفع مستوى ذكائنا، من العلاج الوراثي إلى شحن أدمغتنا بشكلٍ فائق وإلى الرقاقات المزروعة التي تقوم بتعزيز أدمغتنا، وأفضّل شخصياً الطرق الأقلّ حاجة للجراحة.

سنجد إذا نظرنا إلى الطبيعة الأم عدداً لا يُحصى من الأنواع التي واجهت تحدياتٍ خلال نموّها التطوري، حيث تطلب البقاء زيادة في الذكاء تفوق قدرات أدمغة أفرادها، فقامت هذه الأنواع بتطوير طريقة لتضخيم ذكائها من خلال "التفكير معاً"، وتشكيل أنظمة تعتمد على تلك المعرفة، والخبرة، والرؤى والغرائز الجمعيّة. يُطلق علماء البيولوجيا أسماء عديدة على هذه الأنظمة - كقطعان، ومدارس، وأسراب وأفواج، ولكن المبدأ واحد ويُعرف باسم الذكاء الجَمعيّ، أو بشكلٍ أدق ذكاء السرب.

يعود الأمر إلى الطيور والنحل - عندما يحتاج نوع اجتماعي إلى اتخاذ قرارات أكثر ذكاء من قدرة الفرد الواحد، يقوم بتطوير القدرة على التفكير معاً داخل أنظمة مغلقة، وأكثر الأمثلة التي تمت دراستها من هذا النمط هي نحل العسل.

يواجه نحل العسل كل ربيع قراراً وجودياً باختيار موقع جديد ليكون وطناً للمستعمرة، سواء في الأشجار المجوّفة أو الأكواخ المهجورة، حيث تقوم المستعمرة بدراسة عشرات المواقع ضمن مساحة 8 أمتار مربعة، وتقارن بينها ضمن عشرات المعايير: هل يقدم الموقع الجديد تهوية كافية؟ هل هو آمن من المفترسين؟ هل هو كبير بما يكفي لتخزين العسل للشتاء؟ إنها مشكلة معقدة تحوي العديد من المفاضلات، ولكن عند التفكير معاً كسرب، يتوصل النحل إلى أمثل القرارات بنسبة 80 % من الوقت.

بالتالي، بالرغم من افتقاد النحل كأفراد القدرة على اتخاذ قرارات بهذا التعقيد والدقة، إلا أنهم عندما يقومون بتجميع معرفتهم وخبراتهم، ينتجون ذكاءً جمعياً لا يستطيع الوصول إلى قرار فحسب بل يقوم بإيجاد الحل الأمثل، وإن هذا الذكاء المتضخّم بشكلٍ مفاجئ هو ما سيساعدنا كبشر على البقاء متفوّقين على الآلات، وهناك تقنيات جديدة تمكّن البشر من "التجمّع كسرب" ضمن مجموعات الكترونية على الانترنت، وكما يُظهر بحث جديد، تجعلنا هذه التقنيات أكثر ذكاءً.

نعم، أتحدث عن "العقل الجمعي" المخيف، الذي كنت أعارضه بشكلٍ كبير لفترة طويلة.

إلا أنني أدركت في السنوات الأخيرة أن تجميع مصادرنا الفكرية ضمن أنظمة قد يكون أفضل مقاربة لبقاء البشرية متفوّقة على الذكاء الاصطناعي البحت، حيث يتكوّن العقل الجمعي من أشخاص أحياء، يمتلكون قيماً ومشاعر بشرية، ويدفعهم الحفاظ على مصالح البشرية، ولا يمتلك الذكاء الاصطناعي البحت سبباً لمشاركتنا قيمنا الجوهرية، أو اتخاذ قرارات تدعم مصالحنا، وتستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي البحت الرقمية التفوق علينا في الألعاب، وسيصبح الأمر أسوأ بشكلٍ مؤكد.

وبهذا، يكون ’العقل الجمعي’ أحد المقاربات التي يستطيع البشر من خلالها "مجاراة" الذكاء الاصطناعي، وآمل أن نستطيع إيجاد مقاربات أخرى أيضاً، ولكن الأمر الأكيد أنه لم يعد باستطاعتنا تجاهل مخاطر الذكاء الاصطناعي.