أصبحت سياسة التباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل نمط الحياة الطبيعية الجديد في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، والأمثلة كثيرة عن الأعمال التي أصيبت بتراجع حاد خلال هذه الأزمة، إذ تأثر النشاط الصناعي في العالم سلبيًا بشكل كبير، وستعاني صناعة السيارات من الخسارة الأفدح، وستؤدي فترة إغلاق المعامل الطويلة إلى نقص توفر المواد الأولية اللازمة في مجالات متعددة. والسؤال المطروح حاليًا هو أي جزء من الاقتصاد سيكون الأكثر تأثرًا.

بإمكاننا دراسة مدى تأثر الأعمال والوظائف بنظام العمل من المنزل عن طريق متابعة عدد الموظفين العاملين في الخارج أو حركة السيارات والأجهزة الإلكترونية. لكن لا بد من تقييم أهمية التفاعل المباشر وجهًا لوجه في مجالات معينة، وذلك يشمل (آ) تأسيس العلاقة الشخصية واستمرارها؛ (ب) ومساعدة الأخرين والاهتمام بهم؛ (ج) وتنفيذ برامج الأداء أو العمل المباشر مع الناس؛ (د) والبيع والتأثير على الآخرين. وتعتمد هذه الدراسات على المسمى الوظيفي لـ 900 وظيفة وفق قاعدة البيانات لدى شبكة المعلومات المهنية أو نت في الولايات المتحدة الأمريكية.

الصناعات المختلفة

العمل من المنزل والتفاعل المباشر وجهًا لوجه يدعمان بعضهما البعض في العديد من الصناعات والمهن. ومن أمثلة ذلك، أداء الاختصاصيين والعلماء وعمال الخدمات التقنية عملهم من المنزل، وحاجتهم إلى بعض التفاعل المباشر وجهًا لوجه. وخلافًا لذلك فإن أماكن الإقامة وخدمات المطاعم وتوصيل الطعام والتجارة الصغيرة تحتاج للتفاعل المباشر وجهًا لوجه ولا يمكن إنجازها من المنزل. وينطبق هذا المثال على المؤسسات الصحية ومنظمات الرعاية الاجتماعية التي تمثل خطوط الدفاع الأولى خلال جائحة كورونا. ويختلف مدى الحاجة للاحتكاك والتعامل المباشر مع العميل باختلاف مجال العمل. إذ لا يمكن للصناعات الأساسية وأعمال تصليح الطرق أن تتم من المنزل، لكنها في الوقت ذاته لا تحتاج إلى لاحتكاك مباشر مع العملاء.

ما بعد الإغلاق

إغلاق الخدمات غير أساسية خلال جائحة كوفيد-19 عَرض العاملين في المجالات التي لا يمكن إنجازها من المنزل لخطورة فقد وظائفهم. ومن هذه الأعمال المطاعم وتجارة التجزئة. إذ سُرح العديد من الموظفين العاملين في المطاعم (على الرغم من توفر خدمة توصيل الطلبات للمنزل). وستخسر الصناعات وبشكل خاص الصناعات غير الأساسية بشكل كبير خلال فترة الإغلاق، وذلك بسبب التباعد الاجتماعي بين العمال وعدم توفر المواصلات العامة. القطاع الصحي هو الأقل تأثرًا بمشكلة فقد الوظائف، لكن طبيعة عمل الأطباء والممرضات والعاملين في القطاع الصحي تضعهم تحت خطر أكبر لالتقاط العدوى أثناء الرعاية بالمرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

في المجالات التي يكون العمل من المنزل فيها متاحًا، فإن أقلها تأثرًا هي المهن التي لا تتطلب احتكاك مع العملاء، مثل الخبراء والعلماء وموظفي الخدمات التقنية، لكن على الجانب الآخر يؤثر الإغلاق سلبيًا على بعض العاملين من المنزل، ويسود جو عام من نقص الإنتاجية حتى إن وفرت الخدمات رقميًا.

ومع أن بإمكان المدرسين إعطاء المحاضرات عن طريق تطبيقات شبكة الإنترنت، فإن ذلك سيضعف جودة التدريس مقارنة مع المحاضرات التفاعلية في قاعات التدريس. وبإمكان المدراء الفرعيين ومستشاري الاستثمار للخدمات المالية الاتصال مع الزبائن عبر الانترنيت أو الهاتف. لكن سينقص احتمال بيع مستحضرات جديدة. ولذلك فمن غير المتوقع أن يخسر العاملون في هذا المجال وظائفهم أو تخصم رواتبهم على المدى القريب لكن سيصابون بخيبة انخفاض الإنتاجية.

ستنخفض نسبة العمل من المنزل بعد رفع حظر التجول وفتح الأعمال بشكل خاص في القطاعات التي لا تُنفذ من المنزل، وستشهد المهن التي لا تحتاج إلى الاتصال المباشر وجهًا لوجه بين العاملين فيها، كالصناعات التحويلية، عودة الموظفين للعمل بسهولة أكبر مقارنة مع المهن التي تتطلب درجة أعلى من الاتصال المباشر وجهًا لوجه والتي ستحتاج بعض الوقت وذلك لتخوف الناس من الذهاب إلى الأسواق والمطاعم.

تأثير التوزيع

ستحافظ المهن القابلة لنظام العمل من المنزل على مرتباتها وأجور العاملين فيها. ومن ضمنها قطاعات الشؤون القانونية والإدارية والأعمال المتعلقة بالكمبيوترات والإلكترونيات. وعلى النقيض فإن خطر التسريح وخصم الرواتب أعلى في المجالات التي لا يمكن تحويلها لنظام العمل من المنزل، ومنها خدمات العناية الشخصية والمطاعم والأعمال الإنتاجية.

ستتأثر المهن التي تتطلب درجة عالية من الاتصال المباشر وجهًا لوجه مع العملاء بشكل كبير بمشكلة خصم الرواتب. وتشكل النساء النسبة الأكبر من العاملين في هذه المجالات. وستعاني الطبقات الأضعف اقتصاديًا أكثر من خسارة الوظائف بسبب كوفيد-19 مقارنة بالطبقات الأخرى.

ولمحاولة التصدي لمشكلة فقد الوظائف بسبب جائحة كوفيد-19، على الدول النظر إلى هذا التباين في إمكانية إنجاز الأعمال من المنزل في الحسبان. وسيكون دعم هذه الوظائف على المدى القريب ذو أهمية بالغة لأنه سيساعد الفئات الضعيفة اقتصاديًا في الحفاظ على وظائفها. وحين نصل إلى السيطرة على فيروس كوفيد-19 ويتحسن الوضع نسبيًا سيعود الناس إلى وظائفهم وعملهم على أرض الواقع وسيكون الاتصال المباشر وجهًا لوجه ممكنًا مرة أخرى.