تتوقع منظمة الأمم المتحدة أن يبلغ عدد سكان العالم نحو 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050، ما يتطلب رفع الإنتاج الزراعي العالمي بنسبة تصل إلى 69% بين العام 2010 والعام 2050، ما يتطلب تطوير أساليب زراعية جديدة تعتمد على التقنية بكثافة. وفي هذا الإطار استشرف تقرير نشرته مجلة بزنس إنسايدر، تأثير تقنية إنترنت الأشياء مستقبلًا على القطاع الزراعي.

توقع التقرير أن يصل الاعتماد على أجهزة إنترنت الأشياء في القطاع الزراعي في العام 2020 نحو 75 مليون بزيادة سنوية تبلغ 20%، وأفاد أيضًا أن حجم سوق الزراعة الذكية في العالم سيتضاعف ثلاث مرات بحلول العام 2050، ليصل إلى 15.3 مليار دولار مقارنةً بما يزيد قليلًا عن 5 مليارات دولار في العام 2016.

وبين التقرير أنه نتيجة تقلص مساحات الأراضي الزراعية واستنفاد كثير من الموارد الطبيعية مثل المياه العذبة والأراضي الصالحة للزراعة وانخفاض معدل العمالة الزراعية في العديد من البلدان، سيلجأ المزارعون وشركات الخدمات اللوجستية والشركات الزراعية إلى اعتماد تقنيات حديثة مثل تقنية إنترنت الأشياء، بهدف زيادة قدراتهم الإنتاجية وتقليل الحاجة إلى العمالة اليدوية، وسد الفجوة الحاصلة بين سلاسل الإمدادات الغذائية المعروضة والطلب عليها بالإضافة إلى حماية البيئة، وكذلك الحصول على تحليلات سليمة لضمان التمثيل الأمثل للموارد المتاحة من خلال تحقيق إنتاجية وربحية عاليتين مع خفض التكاليف التشغيلية لتحقيق ما يعرف باسم الزراعة الدقيقة.

ستُغير تقنية إنترنت الأشياء الطريقة التي يفكر بها العالم في القطاع الزراعي والغذائي، إذ ستُقلل الزراعة الذكية الموارد المهدورة وستُعزز الإنتاجية بدءًا من ترشيد استعمال الموارد مثل الماء والكهرباء مرورًا بكمية الأسمدة المستخدمة في عملية الزراعة وانتهاء بعدد المرات التي ستُستخدَم فيها المركبات الزراعية.

تتلخص الزراعة الذكية القائمة على إنترنت الأشياء في كونها نظام مصمم لرصد الحقول الزراعية بمساعدة أجهزة الاستشعار (مستشعرات تتتبع الضوء ورطوبة التربة ودرجة حموضتها والطقس الجوي ودرجة الحرارة وصحة المحاصيل...إلخ) بالإضافة إلى أنظمة أتمتة الري، إذ سيتمكن المزارعون من مراقبة حقولهم من أي مكان واختيار الخيار الآلي أو الخيار اليدوي، فمثلًا إن انخفض مستوى رطوبة التربة سينشر المزارع مستشعرات لبدء عملية الري.

لذا ستسهم تقنية إنترنت الأشياء في تنظيم جميع جوانب سلاسل الإمداد الغذائي على أفضل وجه بداية من إدارة المزارع والمحاصيل وانتهاء بحصول المستهلكين على منتجاتهم المفضلة إلى باب منزلهم، وذلك من خلال تسهيل عملية جمع البيانات لاستخدامها لاحقًا في اتخاذ أفضل القرارات لمنع حدوث أي ضرر سواء للمنتجين أو المستهلكين.

لا يُعد دخول التقنيات المبتكرة إلى القطاع الزراعي أمرًا جديدًا، فقد جلبت الثورة الصناعية محالج القطن، وجاء القرن التاسع عشر بأول جرار يعمل بالغاز وبرافعات الحبوب والأسمدة الكيماوية.

المستشعرات الزراعية الذكية

ستعتمد إدارة المزارع في المستقبل بشكل أساسي على استخدام المستشعرات الزراعية الذكية وأنظمة التحكم والروبوتات والمركبات الآلية والكاميرا والأجهزة القابلة للارتداء وكواشف الحركة وذلك لتجميع البيانات، وسيعتمد المزارعون على هواتفهم الذكية لمراقبة محاصيلهم وكفاءة معداتهم وماشيتهم عن بعد، إذ ستلعب التحليلات التنبؤية باستخدام المستشعرات دورًا رئيسًا في الحصول على إحصاءات دقيقة حول إنتاجية المحاصيل وطريقة تخزينها وأساليب تسويقها وكذلك تقييم المخاطر وإدارتها.

يستخدم بعض المزارعين حاليًا المستشعرات لتحسين كفاءة أعمالهم اليومية، فهي تزودهم بخرائط مفصلة لتضاريس البيئة والموارد المتاحة فيها، وملوحة التربة ودرجة حرارتها فضلًا عن تنبؤها بالطقس لأيام وأسابيع مقبلة.

يتوقع تقرير بيزنس إنسايدر أن يبلغ عدد المستشعرات الزراعية المستخدمة نحو 12 مليون مستشعر بحلول العام 2023، وتتوقع شركة آي بي إم عملاق التقنية أن تُولِد المزرعة المتوسطة الحجم نصف مليون نقطة بيانات يومية، ما سيسهم في تحسين الغلال وزيادة الأرباح.

الطائرات دون طيار

يتجه المزارعون إلى استخدام الطائرات دون طيار والأقمار الاصطناعية لمراقبة سير العملية الزراعية لتحقيق مستقبل زراعي أفضل، إذ أصبحت الطائرات دون طيار أداة لا تُقدر بثمن بالنسبة للمزارعين؛ لأنها تحلق بسرعة كبيرة فوق أميال من الأراضي الزراعية في وقت قصير وتلتقط صورًا وفيديوهات للمحاصيل في الوقت الفعلي، وتجمع معلومات عن الطقس وعن كل ما يحدث على الأرض، وتُستخدَم الطائرات دون طيار لمراقبة صحة المحاصيل ونموها فضلًا عن تجميعها معلومات عن جودة التربة الزراعية، واكتشافها لوجود المشكلات سريعًا ومساعدة المزارعين على معالجتها في الحال لمنع حدوث أي نقص في سلاسل الإمدادات الغذائية.

وتساهم الطائرات دو طيار أيضًا في ري المحاصيل، ورش الأسمدة إذ ترشها بمعدل 40 إلى 60 مرة أسرع من القيام بذلك يدويًا، وحديثًا استُخدمَت تلك الطائرات لتلقيح الزهور مثلما تفعل حشرات النحل تمامًا، فهي تؤدي دور حشرات النحل المهددة بالتناقص.

الجرارات ذاتية القيادة

بدأت شركة جون ديري الرائدة في تصنيع المعدات الزراعية، بإنتاج جرارات زراعية ذاتية القيادة على غرار السيارات ذاتية القيادة، تمنح تلك الجرارات المطورة المُزارع فرصة لتحميل خريطة حقله على المستشعرات الموجودة في الجرار ليعرف بعدها الجرار إلى أين يذهب، إذ تعمل هذه الجرارات ليلًا ونهارًا وأثناء أي طقس فضلًا عن قدرتها على جمع بيانات دقيقة للتربة من خلال لوحة القيادة، وربطت الشركة جرارتها المطورة بالإنترنت ليتمكن المزارع من عرض كافة البيانات المتعلقة بإنتاجية المحصول.

تُلغي الجرارات ذاتية القيادة الخطأ البشري من المعادلة؛ لأن انعطاف الجرار العادي في الحقل بطريقة خاطئة عادةً ما يدمر جزء من المحصول ولربما أخر عملية الحصاد، لذا سيفضل كثير من المزارعين مستقبلًا تجريب معداتهم الزراعية عن بعد معتمدين على أجهزة الاستشعار الذكية بدلًا من وجود السائقين خلف عجلة القيادة.

تتبع الماشية

سيستفيد أصحاب المزارع من تطبيقات إنترنت الأشياء اللاسلكية في جمع البيانات المتعلقة بتغذية الماشية وصحتها وموقع معيشتها، ما سيقلل انتشار الأمراض بين الحيوانات ويخفض تكاليف الأيدي العاملة.

مستشعرات الحرارة الذكية

تحتاج شركات الأغذية إلى التأكد من سلامة منتجاتها، وبالاعتماد على منظمات الحرارة الذكية سيحظى كلًا من المستهلك وشركات الأغذية براحة البال، وذلك لضمان وصول أطعمة صحية خالية من الملوثات إلى المستهلكين، ففي عام 2018 مثلًا سجلت الولايات المتحدة الأمريكية أطعمة مسترجعة بقيمة 20 مليون دولار، إذ يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى فساد الأطعمة وانتقال الأمراض، وبالتالي ستُمكن مستشعرات الحرارة الذكية الشركات الغذائية من سحب الأطعمة الفاسدة ومنع وصولها للمستهلكين فتمنع انتشار الأمراض.

مستشعرات جرد ذكية

يمثل تتبع مخزون المواد الغذائية تحديًا كبيرًا لتجار التجزئة وشركات الأغذية، لذا سيزداد الاعتماد في المستقبل على مستشعرات الجرد الذكية لإدارة المستودعات، لتفادي أي نقص مفاجئ في المخزون ولتقليل تكاليف الاعتماد على الأيدي العاملة، بالإضافة إلى استخدام الشركات لهذه المعلومات للتنبؤ بنقص المخزون في المستقبل قبل نفاده بناء على الطلبات السابقة للعملاء.

أجهزة الاستهلاك الذكية

ستُعطي أجهزة الاستهلاك الذكية تنبيهات عن الطعام وتذكير بالمخزون الموجود لدى المستهلكين، إذ يمكن للثلاجات الذكية مثلًا تتبع كل عنصر غذائي يجلبه المستهلك للمنزل، وفي حال اقتراب نفاد أي عنصر غذائي ستنبه الثلاجة المستهلك لعمل طلب جديد، فضلًا عن تعرفها على الأطعمة الفاسدة بعد شرائها لتقترح على المستهلك إلقائها في القمامة، وستساعد هذه البيانات تجار التجزئة والشركات المصنعة في توقع حاجات المستهلكين قبل وصولهم إلى المتاجر.