علماء الحشرات في ألمانيا في حيرة من أمرهم

تشير بيانات جديدة إلى أن عدد الحشرات الطائرة انخفض بنسبة 75% خلال الأعوام السبعة والعشرين الماضية، ولم يجد أحد تفسيرًا لذلك بعد.

نشرت مجلة «بلوس ون» تفاصيل لدراسة طولية أجراها باحثون ألمان لقياس الكتلة البيولوجية -أي وزن جميع الحشرات الطائرة- في 63 منطقة محمية في أرجاء البلاد.

وأجرى العلماء مسحًا لأماكن عديدة؛ كالكثبان الرملية والمراعي والغابات، مستعينين بمصيدات لجمع أكثر من 53.5 كيلوغرامًا من الحشرات على مدى سبعة وعشرين عامًا. وكانوا يتوقعون أن يلاحظوا انخفاضًا في أعداد الحشرات، لكن هذا المستوى من التناقص الكبير يدق نواقيس الخطر، على حد تعبيرهم.

وتدل آخر مؤشرات الكوكب الحيوية -التي تقيس التنوع الحيوي ومجموع أعداد الكائنات الحية؛ كأعداد الأسماك والبرمائيات والزواحف والطيور والثديات حول العالم- إلى أن وفرة الحياة البرية على كوكب الأرض انخفضت بنسبة 58% في الفترة ما بين عامي 1970-2012. وأظهرت المؤشرات سابقًا انخفاض أعداد الفراشات والنحل والعثث في أرجاء قارة أوروبا.

ووصل انتشار حالات موت الحشرات إلى أقصاه، ولوحظ سقوط أعداد أكبر من الحشرات خلال ذروة ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، وهو الوقت الذي تنتشر فيه الحشرات عادة بأعداد أكبر من أي فصل آخر، وتقدر نسبة سقوطها بنحو 82%، أي 7% أكثر من معدل انخفاض أعدادها على مدى 27 عامًا.

لا ريب أن قلة الحشرات تعد مشكلة للكائنات الصغيرة التي تتغذى على الحشرات الطائرة، فضلًا عن تأثيراتها الأخرى التي تطال السلسلة الغذائية. إذ تعتمد غالبية النباتات -نحو 80% منها- على الحشرات في تلقيحها، وتقتات الطيور عليها. ويبدو أن الطيور الألمانية استشعرت هذا التغير في إمداداتها الغذائية، فأظهرت دراسة حديثة نشرت مؤخرًا، أن ألمانيا فقدت نحو 15% من أعداد الطيور غير المهددة بالانقراض خلال الإثني عشر عامًا الماضية.

لم يتوصل الباحثون بعد لتفسير مؤكد يوضح أسباب هذا الانخفاض السريع في أعداد الحشرات؛ إذ شهدت المناطق الألمانية المتنوعة التي دُرست، الانخفاض ذاته، ما يدل على أن ليس له أي علاقة بتغيرات في تضاريس المنطقة، ولا يعتقد العلماء أن تقلبات الطقس أو استخدام الأراضي أو التغير المناخي يقدم أي تفسير منطقي أيضًا. بل على العكس فإن ارتفاع درجات الحرارة عالميًا من شأنه أن يزيد أعداد الحشرات؛ إذ إن الكتلة البيولوجية للحشرات مرتبطة إيجابيًا مع درجات الحرارة.

وأشار خبراء آخرون إلى حقيقة أن هذا لا ينطبق على جميع أنواع الحشرات؛ فلا تتكاثر جميع الحشرات في الأجواء الحارة. فوفقًا لتقارير نشرت على موقع واشنطن بوست، قد يجلب ربيع حار نوعًا من الحشرات -كالنحل مثلًا- في وقت أبكر، ما يعرضها للموت جوعًا لعدم توفر طعام كاف لها.

لكن الباحثون الألمان يرون أن أحد التفسيرات المحتملة لاكتشافهم هذا يعود إلى «استخدام المبيدات الحشرية والحراثة المستمرة على مدار العام وزيادة استخدام الأسمدة، فضلًا عن التدابير الزراعية الأخرى، التي قد تشكل مجتمعة سببًا معقولًا لتلك الظاهرة.»

ولا ريب أن معرفة الدور الذي يلعبه قطاع الزراعة يتطلب إجراء أبحاث إضافية، لكن اتحاد المزارعين الألمان دافع مسبقًا عن هذا الاحتمال. وقال «بيرنارد كروسكين» أمين عام الاتحاد لإذاعة «دويتشه فيله» الألمانية، «من السابق لأوانه الإسراع بإلقاء اللوم على الزراعة، خصوصًا مع الأخذ بالحسبان إجراء الدراسة حصرًا في بيئات محمية.» وبغض النظر عن السبب، حذر علماء من شتى بقاع العالم من انخفاض أعداد الحشرات لشهور عديدة.

قال «ديف جولسون» عالم البيئة من جامعة «ساسكس،» في لقاء أجراه مع مجلة «سينس» في وقت سابق هذا العام، «لو افترضنا أنك طائر آكل حشرات يعيش في هذه المنطقة، فإن أربعة أخماس الطعام الذي تتغذى عليه لم يعد له وجود في آخر ربع قرن، وتلك صدمة كبرى. ونأمل أن يكون هذا التغير الذي رُصد في ألمانيًا أمرًا نادرًا، وليس شائعًا في مناطق أخرى من الأرض.»