يبدو أن وباء كوفيد-19 غير العالم، ما يحتم علينا مواجهة الأزمة والتخطيط لما بعدها، إذ بدأ خبراء الأعمال بوضع تصورات وخطط للوضع الطبيعي المستقبلي.

وذكرت شركة ماكنزي للاستشارات الاقتصادية، إن تشكيل الوضع الطبيعي المستقبلي يتطلب من قادة الأعمال الاستفادة من دروس الماضي؛ البعيد أو القريب، للتخطيط لبناء المستقبل.

التباعد

نتيجة لتفشي الوباء، فرضت الحكومات حول العالم قيودًا غير مسبوقة على الأشخاص والسلع؛ وترى دراسة حديثة أن أكثر من 3 مليارات شخص يعيشون في دول أغلقت حدودها تمامًا أمام غير المقيمين، إذ فرضت 93% من البلدان قيودًا جديدة على الدخول، وفي نهاية المطاف، سيعود السياح وستُفتَح الحدود من جديد، ولكن ليس بالصورة التي كانت عليها قبل الأزمة.

ورجحت ماكنزي أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من القيود الحدودية، ما ينعكس على الشركات، مع تفضيل أكبر للمنتجات المحلية على المنتجات والخدمات العالمية، في ظل مرونة مستحدثة في سلاسل الإمداد لتقريب المصادر من الأسواق النهائية، ويأتي كل ذلك بالتزامن مع استمرار التقنية في تقليص المسافة المادية، ولكن بطرق أخرى.

المرونة والكفاءة

وأوصت ماكنزي باتباع الشركات لطرائق عمل جديدة تحقق المرونة والكفاءة والقدرة على امتصاص الصدمة والخروج منها بنجاح يحقق الازدهار على المدى الطويل.

وبالعودة إلى تاريخ الأزمات الاقتصادية، أشار بحث أجرته ماكنزي عن الأزمة المالية العالمية في العام 2008، إلى أن مجموعة صغيرة من الشركات في كل قطاع تفوقت على نظيراتها، على الرغم من تضررها من انخفاض الإيرادات، إلا أن تلك الشركات المرنة تعافت بشكل أسرع، وبحلول العام 2009، ارتفعت أرباحها بنسبة 10%، وفي المقابل انخفضت أرباح الشركات غير المرنة بنسبة 15%، بسبب اتخاذ الشركات المرنة لإجراءات احترازية قبل الأزمة، وبقاء ميزانياتها متوازنة مع عمل فعال خلالها، فضلًا عن خفضها لتكاليف التشغيل.

ورأت ماكنزي بضرورة إعادة النظر في سلاسل الإمداد المبنية على المخزون في الوقت المناسب، ومصادر المكونات الموزعة، وإطلاق خطط احتياطية.

اقتصاد يخلو من الاتصال المباشر

قد تتحول أزمة كوفيد-19 إلى نقطة تحول حاسمة في 3 مجالات؛ هي التجارة الرقمية والطب عن بعد والأتمتة.

وعلى الرغم من استحواذ التجارة الإلكترونية على نصيب من الحصة السوقية للمتاجر التقليدية، إلا أن انتشار الجائحة سرّع هذا التوجه، ورسخ عادات تسوق جديدة.

وفي المجال الطبي، أعلنت تيلي دوك هيلث، أكبر مقدم خدمة طبية عن بعد في الولايات المتحدة -مثلًا- عن زيادة بنسبة 50% في الخدمة المُقدَّمة في الأسبوع الأخير من مارس/آذار 2020، وغيرت فرنسا وكوريا الجنوبية اللوائح لتسهيل الوصول إلى التطبيب عن بعد.

أما الأتمتة، فشهدت قفزات غير مسبوقة، وسط توقعات بأتمتة الوظائف ما سيغير حياة مئات الملايين من الموظفين حول العالم. وأشار معهد بروكينغز، إلى أن فترات الركود الثلاثة على مدار الثلاثين عامًا الماضية ترافقت مع زيادة وتيرة الأتمتة خلال كل منها.

مزيد من التدخل الحكومي في الاقتصاد

وأشارت ماكنزي إلى أن أوقات الأزمات الكبرى، تتسبب بقبول شعبي لفرض الحكومات لسيطرة أكبر على الاقتصاد. ومنذ 10 أبريل/نيسان 2020، شهد العالم تدخل الحكومات بشكل غير مسبوق، من خلال الإعلان عن خطط تحفيز تبلغ قيمتها 10.6 تريليون دولار؛ جاء معظمها لدعم احتياجات المواطنين الأساسية، والحفاظ على الوظائف، ومساعدة الشركات في النجاة.

ورأت ماكنزي أن وسائل الحكومات ستختلف في معالجة الأزمة، إذ ستعمد بعضها إلى تبني التأميم الكامل، في حين ستأخذ حكومات أخرى حصصًا في الأسهم، وستقدم بعضها قروضًا.

مزيد من التدقيق

يسود تصور في بلدان عديدة بأن المؤسسات المالية خلال الأزمة المالية العالمية كانت مسؤولة عن الكارثة، وجمعت مليارات الدولارات من جيوب دافعي الضرائب، ولم تعط في المقابل سوى القليل، ويحتمل الآن أن يضطر المواطنين في جميع أنحاء العالم إلى دفع ضرائب أعلى أو خدمات أقل من أجل سداد خطط التحفيز الحكومية، وسيتوقع الجمهور في المقابل استخدام أموالهم لصالح المجتمع.

تغيير هياكل الصناعة

وتوقعت ماكنزي أن تشهد المرحلة المقبلة، تغييرات دائمة في مواقف المستهلكين تجاه التباعد الجسدي والصحة والخصوصية، وقد يؤدي -مثلًا- زيادة الوعي الصحي إلى إحداث تغيير دائم في مكان تناول الطعام وكيفيته ونوعه، وقد يغير بعض المستهلكين والحكومات مواقفهم تجاه مشاركة البيانات الشخصية واستخدامها إذا أمكن إثبات أن استخدام هذه البيانات أثناء الأزمة ساعد في حماية الأرواح.

بالنسبة إلى الأجيال الشابة المولودين بين 1980 و2012، تمثل هذه الأزمة أكبر اختلال واجهوه، ويمكن أن يغير مواقفهم بعمق وبطرق يصعب التنبؤ بها تجاه الكثير من الأمور، وبالنظر إلى شدة الضغوط الحالية، من المنطقي التساؤل عما إذا كان سيتم الاحتفاظ بمراكز السوق الحالية دون بذل جهد كبير لإعادة الوضع والاستجابة للتغيرات التي تواجه الصناعات والقطاعات ككل. ويمكن إضافة ذلك إلى التأثير الاقتصادي للميزانيات العمومية الممتدة والتقييمات التي تؤدي إلى تغييرات في ملكية الأعمال.

الإيجابيات

على الرغم من أن النتائج الإيجابية المحتملة للأزمة، يصعب أن تعوض الخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة جدًا، إلا أن التفكير فيها يبث الأمل، إذ تبقى فكرة تعلم الأفراد والمجتمعات والشركات والحكومات في وقتنا الراهن لطرائق اتصال جديدة؛ مثل سكايب وزوم وفيستايم، أمرًا ملهمًا في عالم المستقبل.

وتعلمت الشركات أيضًا، كيفية العمل عن بعد، وبمستويات إتقان وسرعة وكفاءة عالية نسبيًا، ما يرجح وضع أسس لطرائق إدارة أفضل، وقوى عاملة أكثر مرونة.

وأدت الحاجة الملحة لمعالجة الفيروس إلى ابتكارات رائدة في مجالات التقانة الحيوية وتطوير اللقاحات واللوائح التنظيمية الحاكمة لتطوير الأدوية، ما يدفع إلى أنظمة صحية أكثر مرونة واستجابة وفعالية. فضلًا عن اندفاع لافت نحو الابتكار ورفع الإنتاجية، محاولات الوصول إلى صناعات أكثر مرونة، وحكومات أكثر ذكاءً على جميع المستويات، ما يشكل ملامح عالم جديد أكثر اتصالًا وتآلفًا، يصنع الوضع الطبيعي المستقبلي لكوكبنا.