أوضح تقرير صدر مؤخرًا عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن الأنظمة التعليمية الحالية لا تعد الطلاب للوظائف المستقبلية.

يتغير سوق العمل بصورةٍ مضطردة بفضل التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة والطباعة ثلاثية الأبعاد والبلوكتشين والتي ساعدت في تحقيق الثورة الصناعية الرابعة.

وقال تيل ليوبولد، مدير مشروع التعليم في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن الأنظمة التعليمية الحالية لا تمد الطلاب بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل. بالإضافة إلى أن التطور التقني المضطرد الذي أنتجته الثورة الصناعية الرابعة يزيد الفجوة بين التعليم وسوق العمل.

ومن المبادرات الحديثة التي تسعى إلى تجاوز هذا التحدي، مدارس ستيف جوبز، والتي تحمل اسم الرئيس التنفيذي السابق لشركة آبل، وهي تهدف إلى دمج المهارات الرقمية في المحتوى التعليمي. وتوجد حتى الآن 30 مدرسة من هذه المدارس موزعة على هولندا وبلجيكا وجنوب إفريقيا.

ويرى موريس دي هوند، مؤسس مدارس ستيف جوبز في أمستردام، أن الأنظمة التعليمية الحالية لا تمد الأطفال بالمهارات المطلوبة، فالمحتوى التعليمي الحالي لا يناسب العصر الذي نحياه والذي يعج بتقنيات رقمية حديثة عديدة.

قصور

على الرغم من أن سوق العمل المستقبلي يتغير باستمرار بالتزامن مع تطوير تقنيات حديثة، لكن الأمر الثابت أن جميع الوظائف المستقبلية تتطلب مزيدًا من الخبرات في العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات.

وأجرت الحكومة الأسترالية بحثًا في العام 2016 أن نحو 75% من الوظائف في العقد المقبل ستحتاج إلى مهارات في العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. لكن في الوقت ذاته، أشار تقرير نشرته صحيفة نيو ستريتس تايمز الماليزية أن أعداد الطلاب المنخرطين في برامج العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في المدارس الثانوية في انخفاضٍ مستمر.

وقال بيتر باليتا، رئيس قسم تقنيات التعليم في شركة تكساس إنسترومنتس في دالاس «ليس سرًا أننا نواجه تحدي يتمثل في انخفاض أعداد الطلاب المنخرطين في برامج العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. وفي الوقت ذاته، فإن معدل زيادة الوظائف التي تحتاج إلى مهارات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في سوق العمل الأمريكية أكبر بثلاث مرات من الوظائف التي تحتاج إلى هذه المهارات. وتشير التقديرات إلى أن الوظائف التي تحتاج إلى مهارات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات ستبلغ نحو 9 ملايين وظيفة بحلول العام 2022.»

ولذا تسعى منظمات عديدة إلى تشجيع برامج العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في المدارس. واستثمرت شركات القطاع الخاص، مثل تكساس إنسترومنتس وهانيويل، في مبادرات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. وتشكلت العديد من المنظمات غير الهادفة للربح لحل مشكلة تناقص أعداد الطلاب المنخرطين في تلك البرامج، فمثلًا تعمل منظمة ساستميك غير الهادفة للربح ومقرها سان أنطونيو على تحفيز الطلاب والمعلمين للانضمام إلى هذه البرامج.

البرمجة مهارة أساسية

أشار الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في العام 2016 إلى عدم ملائمة مخرجات التعليم لاحتياجات سوق العمل. ولذا أطلق مبادرة علوم الحاسوب للجميع وشجّع تمويل المدارس لسد الفجوة الرقمية.

وقال أوباما في مقطع فيديو بعد خطابه «لم تعد علوم الحاسوب مهارةً اختيارية في الاقتصاد الجديد بل أصبحت مهارةً أساسية.»

وأضاف في شهر سبتمبر/أيلول 2017 «أؤمن أن كل طفل لديه الحق في الحصول على فرصة لتعلم المهارات الأساسية. فنحن محاطون بالتقنيات الحديثة ولا أريد أن يصبح شبابنا مستهلكين فحسب بل أريدهم أن يكونوا منتجين للتقنية وأن يفهموها يتحكموا فيها كي لا تتحكم فيهم.»

وقال أيضًا خلال زيارته لمدرسة وودبيري داون كوميونيتي الابتدائية في هارينجاي في المملكة المتحدة «أرى أنه يجب تدريس البرمجة في جميع المدارس وألا تقل أهميته عن تدريس اللغة الثانية. فعندما يجيد الأطفال البرمجة ربما يجدون حلولًا للمشكلات المستقبلية.»

لكن باليتا يرى أن النتائج غير مرضية إذ قال «استمرت الشركات والمنظمات غير الهادفة للربح والمجموعات المجتمعية والآباء والقادة مئات الملايين من الدولارات على مدار العقد الماضي لتطوير تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، لكن العائد لن يكن مُرضِيًا بالمقارنة مع هذه الاستثمارات الضخمة.»

الحاجة إلى مهارات واقعية

وقالت بيرانيندر كيه. جاسال، مديرة معهد خواص التعليم والعمل في المستقبل «على الرغم من أن مهارات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات والبرمجة تمثل جزءًا مهمًا من المهارات الأساسية التي يحتاجها سوق العمل المستقبلي، لكنها ليست المهارات الوحيدة المطلوبة. فمهارة البرمجة ستمنح حائزها وظيفة مبرمج، وهي وظيفة لن تختلف مستقبلًا عن الأعمال اليدوية التي عرفها العالم منذ قرنٍ من الزمان. ما نحتاجه حقًا هو أنظمة تعليمية تدعم مهارات العمل المستقبلية التي تحتاج إليها الوظائف المختلفة في جميع المجالات. فالقدرة على اكتساب المعرفة أعم كثيرًا من المعرفة ذاتها.»

وشدد وزير التعليم السنغافوري على الحاجة الملحة إلى اكتساب مهارات التعلم مدى الحياة.

وصفة النجاح

وقال دي هوند «إن إدراك أن النجاح مستقبلًا يتطلب فهم المهارات الأساسية التي يحتاجها الموظفون في المستقبل. ولذا لا يعتمد نهجنا على تدريس المعلومات، بل نعلم الطلاب كيفية حل المشكلات. ونركز على ثلاثة مبادئ أساسية: البحث والتصفية والتطبيق. وتمثل المرونة عنصرًا مهمًا جدًا، ونركز أيضًا على المواهب والقدرات الفردية للطلاب.»

وقال ليوبولد «الأنظمة التعليمية الناجحة تتضمن تشجيع الطلاب على أن يصبحوا متعلمين مدى الحياة وأن يهتموا بتطوير مهاراتهم طوال حياتهم.»