تأمين 97% من السكان

أصبحت كوريا الجنوبية محط أنظار العالم في العديد من المجالات، وعلى رأسها نظامها المميز في الرعاية الصحية المجانية لمواطنيها والمقيمين فيها على حدٍ سواء. وتدير وزارة الصحة هذا النظام ويموله برنامج وطني إجباري للتأمين الصحي يغطي نحو 97% من السكان.

ولا تقتصر الممارسة الطبية في كوريا الجنوبية -إحدى دول النمور الآسيوية- على الأساليب الطبية الغربية التي أصبحت سائدة عالميًا، بل يشمل نظام الرعاية الصحية فيها الطب الغربي الحديث والعلاجات المحلية التقليدية التي خضعت للتطوير والتحديث.

وتمتاز الأطقم الطبية الكورية بارتفاع مستواها وتوافر المعدات الطبية المتطورة في المستشفيات. وتحتضن كوريا عددًا من أهم المستشفيات في العالم، مثل مستشفى جامعة سيول الوطنية ومركز سامسونج الوطني ومركز آسان الطبي ومستشفى يونسي سيفيرانس.

وبلغ تعداد العاملين في المجال الطبي في كوريا الجنوبية حتى العام 2007 أكثر من 91 ألف طبيب بشري، وأكثر من 23 ألف طبيب أسنان، ونحو 16 ألف اختصاصي في العلاجات المحلية التقليدية، ونحو 57 ألف صيدلي، ونحو 8500 قابلة، ونحو 235 ألف ممرضة.

وتبدأ إجراءات الاستشفاء في كوريا الجنوبية بتوجه المريض إلى طبيب ممارس عام أولًا كي يقيم حالته ويرسله إلى المستشفى المختصة بحالته، ويستثنى من ذلك حالات الولادة وحالات الطوارئ وأمراض الدم وإعادة التأهيل وخدمات طب الأسرة، إذ يتاح للمريض في هذه الحالات التوجه إلى المستشفى مباشرة دون الحاجة إلى إحالة من الطبيب العام.

ويعتمد نظام الرعاية الصحية في كوريا الجنوبية على ثلاثة برامج: برنامج التأمين الصحي الوطني وبرنامج المساعدات الطبية وبرنامج الرعاية طويل المدى.

برنامج التأمين الصحي الوطني

صدر أول قانون للتأمين الصحي في كوريا الجنوبية في العام 1963، وبحلول شهر يوليو/تموز 1977 أصبح لزامًا على الشركات التي يعمل فيها أكثر من 500 موظف توفير التأمين الصحي لهم. وبحلول العام 1979 شمل القانون الشركات التي يعمل فيها 300 موظف وأكثر. وضم برنامج التأمين الصحي أصحاب الأعمال الحرة في الريف في العام 1988، وشمل أصحاب الأعمال الحرة في الحضر في العام 1989. ويمثل هذا العام نقطة محورية في تاريخ برنامج التأمين الصحي الكوري الجنوبي لأنه العام الذي أعلنت فيه كوريا تغطية جميع مواطنيها بمظلة التأمين الصحي وتوحيد أنظمة التأمين الصحي الخاصة ودمجها مع برنامج التأمين الصحي الوطني.

تتعدد مصادر تمويل برنامج التأمين الصحي، وأبرز هذه المصادر هم المؤمن عليهم إذ تحصل الدولة على نحو 5% من دخل كل الموظف مقابل تمتعه بخدمات التأمين الصحي، ويتحمل كلٌ من الموظف والشركة هذا المبلغ مناصفةً. ويأتي ثاني مصادر التمويل من الحكومة التي تدفع نحو 14% من إجمالي ميزانية برنامج التأمين الصحي. وتمثل الضرائب على التبغ ثالث مصادر التمويل، إذ تمثل نحو 6% من الميزانية.

برنامج المساعدات الطبية

بدأ هذا البرنامج في العام 1979، ويشمل حاليًا 3.7% من السكان. وتتحمل الدولة بموجب هذا البرنامج تكاليف الرعاية الصحية للأشخاص غير القادرين والمصابين بأمراض مزمنة ونادرة والأطفال تحت 18 عامًا.

برنامج الرعاية طويل المدى

يهدف هذا البرنامج إلى تقديم الرعاية الصحية للمسنين وبدأ العمل به في شهر يوليو/تموز 2008. ويخدم كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا، ويخدم أيضًا من تقل أعمارهم عن ذلك ويعانون في الوقت ذاته من أحد أمراض الشيخوخة مثل ألزهايمر أو مرض باركنسون أو الشلل الناتج السكتات الدماغية. وتمول الحكومة أغلب ميزانية هذا البرنامج.

تقنيات مستقبلية

تستخدم المستشفيات في كوريا الجنوبية تقنيات طبية مستقبلية مثل الروبوتات الجراحية، إذ أعلن مستشفى يونسي سيفيرانس في العام 2018 عن إجراءه نحو 20 ألف جراحة روبوتية منذ بداية استخدامها لهذه التقنية في العام 2005. وأعلن المستشفى أنه يستخدم هذه الروبوتات في مختلف أقسامه. ويستخدم 50 طبيب في المستشفى هذه الروبوتات في إجراء الجراحات لعلاج أنواع متعددة من السرطانات، مثل سرطانات الغدة الدرقية والقولون والكبد والمعدة والبنكرياس والكلى والبروستاتا والثدي. وحازت جراحات سرطانات الجهاز البولي نصيب الأسد بعدد وصل إلى 7100 جراحة أي نحو 35.5 من إجمالي الجراحات، وتلتها جراحات سرطان الغدة الدرقية بعدد 6226 جراحة، أي نحو 31.1%، وحلت جراحات الجهاز الهضمي في المركز الثالث بعدد 1897 جراحة أي نحو 9%. ويقدم المستشفى نظام تعليم طبي مميز وفّر التدريب على الجراحات الروبوتية لنحو 2000 طبيب.

وطورت شركة ميريكومباني الكورية روبوتًا جراحيًا يسمى ريفو-آي، ويتمتع الروبوت بأربعة أذرع روبوتية يتحكم فيها حاسوب يحاكي حركات الجراح الذي يشاهد منظرًا ثلاثي الأبعاد للجرح. واعتمد وزارة سلامة الغذاء والدواء الكورية الروبوت في العام 2017، ليكون بذلك ثاني روبوت جراحي في العالم تعتمده منظمة طبية بعد الروبوت الجراحي الأمريكي دافينشي الذي اعتمدته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في العام 2000. ويمتاز روبوت ريفو-آي بانخفاض تكلفته التي تبلغ نحو 70% من تكلفة روبوت دافينشي.

وطور المعهد الكوري لأبحاث التقنيات الإلكترونية تقنية جدية لتشخيص السرطان وعلاجه باستخدام الثنائيات الباعثة للضوء، إذ يستهدف هذا الضوء الخلايا السرطانية دون أن يضر خلايا الجسم الطبيعية.

وينص القانون على أن جميع المستشفيات الكورية مؤسسات غير ربحية، ولذا عليها استثمار أرباحها في تحسين خدماتها وتطوير تقنيات جديدة ما يساعد في توفير رعاية طبية عالية المستوى.

نتائج مبهرة

تحقق كوريا الجنوبية أعلى معدل نجاح لعمليات زراعة القلب في العالم وفق إحصاءات ××××، وتصل نسبة النجاح إلى نحو 99%، وتبلغ نسبة نجاح جراحات الشرايين التاجية نحو 93%. وتبلغ نسبة الوفيات بين مرضى احتشاء عضلة القلب نحو 4.9% وهي الأقل بين دول العالم المتقدم التي تتراوح فيها النسبة بين 5% و7%. وتبلغ نسبة حدوث المضاعفات بعد جراحات القلب نحو 12.7%، وهي بذلك أقل كثيرًا من نظيرتها في الدول المتقدمة التي تصل فيها نسبة حدوث المضاعفات إلى نحو 20%. ويبلغ معدل الوفاة خلال إجراء جراحات العيوب الخلقية في القلب أقل من 1%. ويبلغ معدل النجاة حتى خمسة أعوام بعد علاج سرطان الثدي نحو 91.3% و99.2% بعد علاج سرطان البروستاتا و69.4% بعد علاج سرطان المعدة وهو أعلى كثيرًا من نظيره في الدول المتقدمة، إذ يبلغ 27.7% في الولايات المتحدة الأمريكية و25% في كندا و63.3% في اليابان.

جراحات التجميل

لا نبالغ حين نقول إن كوريا الجنوبية أصبحت عاصمة جراحات التجميل في العالم. إذ يبلغ معدل جراحات التجميل في كوريا الجنوبية نحو 20 جراحة لكل 1000 فرد، وبذلك تتفوق على أقرب ملاحقيها مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ المتوسط فيها 13 جراحة لكل 1000 فرد. وتتفوق كوريا على غيرها من الدول المتقدمة في هذا المجال بسبب انخفاض تكاليفها وكفاءة الجراحين.

السياحة العلاجية

ويحفز هذا المستوى والتقنيات المتطورة السياحة العلاجية في كوريا الجنوبية التي لا تقتصر مزاياها على النتائج المبهرة فحسب بل تمتد أيضًا إلى انخفاض تكلفة الخدمات العلاجية مقارنةً مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وافتتحت مستشفى جامعة سيول الوطنية مركزًا للرعاية الصحية الدولية يزوره نحو 150 مريض من دول العالم المختلفة يوميًا.

وساعد تطور النظام الصحي في تحسين جودة حياة السكان وزيادة متوسط أعمارهم، إذ ارتفع متوسط عمر الرجال من 51.1 عام في ستينيات القرن الماضي إلى 75.7 عام في العام 2006، وارتفع متوسط عمر النساء من 53.7 أعوام في ستينيات القرن الماضي إلى 82.4 أعوام في العام 2006. وانخفض معدل وفيات المواليد من 61 حالة وفاة لكل 1000 طفل حديث الولادة في ستينيات القرن الماضي إلى 5 حالات وفاة فحسب لكل 1000 طفل حديث الولادة في العام 2005.

فهل تستفيد الدول الأخرى من التجربة الكورية الجنوبية لحل مشكلات مستوى الرعاية الصحية لديها؟