اقترن تزايد حالات الإصابة بمرض كوفيد-19 في جميع أنحاء العالم، بنشوء مشكلات اقتصادية عدة أثارت القلق والمخاوف، إذ شهد قطاع التجارة تراجعًا بسبب إغلاق الحدود وقطع سلاسل الإمداد، ووجد قادة الأعمال أنفسهم مضطرين للتصدي لتراجع المبيعات والحرص على صحة الموظفين ما عرقل سير الأعمال، إلا أن دراسة حديثة رأت أن الاستجابة الأقوى وتشديد الإجراءات الصحية قد تؤدي إلى انتعاش اقتصادي أفضل بعد انتهاء الجائحة.

ويقف العالم أمام تحديات غير مسبوقة في ظل انتشار كوفيد-19، الذي امتدت آثاره لتشمل قطاعات عديدة وعلى مختلف المستويات، ما ألجأ الدول والجماعات للاعتماد على التقنيات الحديثة تفاديًا للتجمعات، ولتسيير الأعمال، ومن غير المعلوم حاليًا متى يبدأ انحسار هذه الجائحة العالمية، ونحن اليوم -في أحسن الأحوال- نعيش بدايتها فقط.

وفي ظل وضع الإغلاق الحالي في الولايات المتحدة، برز الجدل عن موعد إعادة فتح السلطات للتجارة، للحد من التداعيات الاقتصادية للوباء. ليبرز رأي مغاير، إذ أظهرت دراسة حديثة شارك في إعدادها أحد خبراء الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتقنية، أن منح الأولوية للاهتمام بالصحة العامة، هو ما يولد انتعاشًا اقتصاديًا أقوى لاحقًا.

ووجدت الدراسة، بعد العودة إلى بيانات جائحة الإنفلونزا في الولايات المتحدة في 1918 و1919، أن المدن التي شددت إجراءات الحد من التفاعلات الاجتماعية، حظيت بنمو اقتصادي أكبر بعد انتهاء فترة الحظر والإغلاق، وشهدت المدن التي نفذت قرارات الحجر الصحي والتباعد الجسدي وغيرها من التدخلات الصحية العامة، قبل عشرة أيام فقط من نظيراتها، زيادة بنسبة 5% في تشغيل العمالة الصناعية بعد انتهاء الجائحة في العام 1923. وأظهرت الدراسة أن 50 يومًا إضافيًا من التباعد الجسدي أدت إلى زيادة بنسبة 6.5% في تشغيل العمالة الصناعية.

شكوك

إلا أن إيميل فيرنر، الأستاذ المساعد في كلية إم أي تي سلون للإدارة والمؤلف المشارك في كتابة ورقة بحثية مفصلة للنتائج؛ قال في بيان تلقى مرصد المستقبل نسخة منه «لا نجد أي دليل على أن المدن التي أخذت التصرفات الوقائية على محمل الجد عانت من اقتصاد أسوأ. وأن المدن التي حدت من التفاعلات الاجتماعية بشكل أقسى كان ذات أداء أفضل. ويبدو أن فكرة المقارنة بين الصحة العامة والنشاط الاقتصادي، لا تصمد أمام التمحيص والتحليل، ومن غير المرجح أن تعيد الأماكن الأكثر تضررًا من الوباء بناء قدراتها الاقتصادية بسرعة مقارنة بالمناطق الأكثر سلامة. لذلك فإن فكرة المقارنة بين تأثير الفيروس من جهة والنشاط الاقتصادي من جهة أخرى مثيرة للشكوك لأن الوباء بذاته مدمر للاقتصاد.»

تقييم

وفي 26 مارس/آذار 2020، نشر فيرنر وزميلاه؛ الباحث سيرجيو كوريا والباحث ستيفن لاك، دراسة على شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية، عرضوا فيها نتائج تحليل إحصائيات الوفيات عن طريق المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض، ومقارنتها بالبيانات الاقتصادية التاريخية من مكتب الإحصاء الأمريكي والإحصائيات المصرفية التي جمعها الاقتصادي المالي مارك د. فلود، واستخدام التقارير السنوية لمكتب مراقبة العملة. للتحقيق في جائحة 1918-1919، ومقارنتها بالأزمة الحالية، ومعرفة الآثار الاقتصادية المتوقعة لكوفيد-19 اليوم.

ورأى الباحثون أن إجراءات التباعد الجسدي والحجر الصحي، في 1918-1919، ارتبطت بنتائج صحية تفاوتت من مدينة إلى أخرى في الولايات المتحدة، فالمدن التي أغلقت المدارس في وقت سابق كانت أفضل حالًا من الناحية الصحية، من مدن أغلِقَت في وقت لاحق.

أما من الناحية الاقتصادية، فوجد الباحثون أن أثر الوباء كان شديدًا على المدن التي شددت من إجراءات الحجر ليستمر إلى 120 يومًا، إذ شهدت انخفاضًا بنسبة 18% في الإنتاج الصناعي. في حين انتعش الإنتاج الصناعي في مدن أخرى اتخذت إجراءات أقل تشددًا، ولم يستمر الحجر فيها سوى 60 يومًا.

وقال فيرنر «وجدنا أن المناطق التي تأثرت بشدة بوباء إنفلونزا عام 1918 شهدت انخفاضًا حادًا ومستمرًا في عدد من مؤشرات النشاط الاقتصادي، ومنها تشغيل العمالة الصناعية والإنتاج والتصنيع والقروض المصرفية ومخزون السلع.»

القضايا المصرفية

ومن زاوية الأعمال المصرفية، أشارت الدراسة إلى أن البنوك اعترفت بخسائر القروض التي عجزت عنها الأسر والشركات بسبب الاضطراب الاقتصادي الناجم عن الوباء. ووجد الباحثون أن القطاع المصرفي عانى أكثر في المدن التي طبقت أقل من 60 يومًا من التباعد الجسدي في العام 1918.

وحَدَّت الصراعات الاقتصادية التي أعقبت جائحة إنفلونزا 1918-1919 من قدرة الشركات على تصنيع السلع لكن تقليص العمالة أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية أيضًا. ومع ذلك يرى الاقتصاديون أن هيكل الاقتصاد مختلف طبعًا ولا ينبغي للمرء أن يستنبط مباشرة من التاريخ لكن يمكننا الإشارة إلى أن اقتصاديات الوباء تختلف عن الاقتصاديات العادية.

تنبؤات اقتصادية

وبارتفاع حدة السجال، برزت آراء أكاديمية تتوقع مستقبل الاقتصاد، ونشر موقع كلية هارفارد للأعمال، التابعة لجامعة هارفارد الأمريكية، حديثًا، وجهات نظر مجموعة من الأساتذة الجامعيين، عن كيفية تغيير انتشار الوباء لمستقبل الأعمال التجارية للشركات، لترسم آراؤهم تصورًا مستقبليًا للوضع، فضلًا عن تطرقهم لأهم النتائج والتأثيرات الحالية.

ورأى ريان بويل، الأستاذ المشارك في إدارة الأعمال في وحدة إدارة التقنية والعمليات، أن قادة الشركات الذين يحملون نظرة مستقبلية، سيديرون مؤسسات أفضل من خلال تهيئة ظروف تتيح للعملاء تقديم فائدة أكبر، إذ يصبح الموظفون أكثر إنتاجية.

وأشار بريثويراج تشاودري، الأستاذ المشارك في وحدة إدارة التقنية والعمليات، إلى أن انتقال الناس إلى العمل عن بعد أسهم في ارتفاع في الإنتاجية.

وتوقع جوزيف بي فولر، أستاذ الممارسة الإدارية في وحدة الإدارة العامة أن تشهد الشركات تغييرات عديدة على المدى القصير؛ منها انخفاض السفر بشكل كبير والتوجه نحو العمل من المنزل وتغييرات في العمليات التجارية للحد من الاتصال البشري وتحسين النظافة في أماكن العمل، إلا أن أكثر التغييرات إثارة للاهتمام ستحدث بعد انتهاء أزمة الفيروس.

وأشار جون ماكومبر، كبير محاضري إدارة الأعمال في وحدة الشؤون المالية، إلى أن كوفيد-19 سيغير طبيعة مكاتبنا وشققنا ومستشفياتنا ومدارسنا ومبانينا الحكومية، وقد يتلاشى القلق بشأن انتشار هذا المرض إلا أن احتمال انتشار غيره من الأوبئة وارد في العقود المقبلة، ما يعني توقع تغييرٍ في هياكلنا المادية أيضًا، فضلًا عن الإجراءات الإضافية؛ مثل تمديد الفحص الأمني للمطارات وغيرها.

وتوقع غاري بي بيسانو، أستاذ إدارة الأعمال، أن تتراجع أهمية الاجتماعات الشخصية، إذ ستتعلم جميع المؤسسات كيفية الاستفادة من التقنية بفاعلية أكبر للعمل وإدارة الأعمال عن بعد. وسندرك قلة احتياجنا إلى الاجتماعات المباشرة، وستصبح فوائد الإنتاجية كبيرة جدًا.

ورأى خبراء عديدون؛ مثل شيه وبيسانو وفولر، أن المتضرر الأكبر في هذه الأزمة هي شركات الطيران والفنادق والفعاليات المعتمدة على السياحة والسفر، والعلامات التجارية الاستهلاكية الراقية المعتمدة على البيع التقليدي بالتجزئة في معظم مبيعاتها، فضلًا عن الصناعات المتمحورة حول التجمعات الكبيرة؛ مثل أشكال عديدة للترفيه الشعبي، والرياضة والسينما والحفلات الموسيقية إلى المؤتمرات والمعارض التجارية.