تخيل أنك على طريق سريع تقود سيارتك الكهربائية، وهي مجهزة بأحدث بطاريات الجرافين، لكن شحنها اقترب من نهايته، فتوقفت عند إحدى الاستراحات، ووصلت السيارة بالقابس، ثم دخلت مطعمًا لتناول البيتزا.

بعد انتهاء وجبتك، تخرج من المطعم فتجد أن البطارية مشحونة بالكامل، وتنطلق بسيارتك لمسافة 482 كيلومترًا بعد شحنها لمرة واحدة.

هذا هو مستقبل النقل الذي يتوقعه بعض العلماء الطموحين، إن استخدمت بطاريات مصنوعة من مادة الجرافين؛ وهي صفيحة من الكربون بسماكة ذرة واحدة، فحينها ستشحن جميع الأجهزة الكهربائية بسرعة أكبر، وتحمل طاقة أكبر، وتكلف أموالًا أقل، وربما تمكّن العالم أجمع من التخلي أخيرًا عن مصادر الوقود الأحفوري. ويزعم علماء أنها قد تطرح خلال العام المقبل.

وقال تشيب بريتنكامب لمرصد المستقبل، وهو عالم بوليمرات ونائب رئيس تطوير الأعمال في شركة بطاريات الجرافين نانوجراف «الجرافين مادة رائعة، وهي ذات فوائد عظيمة إن استخدمت في صناعة البطاريات، إذ تمكنها من الشحن على نحو أسرع، فضلًا عن تفريغ الحرارة بكفاءة أكبر. ولهذا انعكاسات كبيرة، فلا تسخن الأدوات الكهربائية بسرعة، وتخدم الأجهزة المنزلية العائلات لفترة زمنية أطول وبأداء أفضل. لذلك قد يلعب الجرافين دورًا محوريًا في رسم مستقبل كهربائي مستدام.»

ولا تقتصر مزايا الجرافين على الشحن السريع، إذ أشارت الشركة إلى أن الفترة التشغيلية لبطاريات الجرافين أكثر بنسبة 50% من بطاريات أيون الليثيوم العادية، وبصمتها الكربونية أقل بنسبة 25%، وتحتاج إلى نصف وزن بطاريات الليثيوم لتقديم المخرجات ذاتها.

وتكمن الفكرة الرئيسة في التركيب الكيميائي، فخلال العقود الماضية، فضّل صناع البطاريات الليثيوم على السيلكون بسبب سعته الكهربائية العالية. لكن الليثيوم يعاني من مشكلتين رئيستين: موصليته الكهربائية ضعيفة، ومادته تتشوه كلما فرغ شحن البطارية، ما يؤدي إلى تعرضها إلى إجهادات القص والتشققات.

لكن هذه المشكلات قد تحل بفضل الجرافين، إما بخلط مادته مع الليثيوم، وإما بطلاء البطاريات به، أو باستخدام مواد نانوية مشتقة منه، مثل أكاسيد الجرافين. فهذه المادة عالية الموصلية ما يتيح للكهرباء التدفق بحرية، وهي صلبة ما يحافظ على صلابة البطارية، ويطيل عمرها.

وقال كريستوس أتانازيو لمرصد المستقبل، وهو مهندس في جامعة براون نشر بحثًا عن بطاريات الجرافين «يمتاز الجرافين بموصلية إلكترونية عالية، لذلك عندما نضعه على أقطاب من السيليكون، تزداد الموصلية بدرجة كبيرة. وينفرد الجرافين كذلك بخصائص ميكانيكية ممتازة، فقوته عالية جدًا إلى درجة أنه عندما يتمدد القطب، تمنع المادة حدوث تغيرات كبيرة في الحجم، فلا يتمدد قطب السيلكون كثيرًا، حتى لا ينكسر.»

ومن فوائد الجرافين الأخرى أن متانته تمنح البطاريات عمرًا تشغيليًا أطول من البطاريات الأخرى، إذ يرى بحاثته أن المادة تزيد متانة البطاريات وتشحنها أسرع نظرًا لقدرتها على تحمل تيار كهربائي أقوى.

ليست نانوجراف الشركة الناشئة الوحيدة التي تحاول تطوير بطارية جرافين عملية، فشركة ريل جرافين تبذل جهودًا مشابهة، إذ قال مديرها التنفيذي سامويل جونج أن تقنية شركته قد تشحن سيارة خلال أقل من ساعة.

وقال سامويل «تمتاز بطاريات الجرافين بدورات حياة كثيرة، ونستطيع التخلي عن بعض الدورات لأن الناس لا يستخدمون المنتجات أكثر من بضعة أعوام في العادة، ولهذا بإمكاننا تحميل البطاريات استخدامًا مكثفًا أكثر، فتكون النتيجة بطارية رخيصة ذات طاقة أكبر وأداء أفضل.»

وأضاف سامويل «لعب البلاستيك دورًا بالغ الأهمية في التطور التقني، وبطاريات الجرافين لا تقل أهمية عنه، فربما نستخدمها في جميع الأجهزة مستقبلًا.»

على الرغم من إمكانات الجرافين الخارقة، قد تحمل المزاعم حول هذه المادة بعض الجدل، إذ قالت نانو جراف أنها تعمل إلى جانب شركة أدوات كهربائية وشركة لتصنيع البطاريات الكهربائية، لطرح تقنيتها في الأسواق، غير أنها لم تكشف أسماء تلك الشركات.

وقال سامويل أن شركته ريل جرافين طورت حافلات تجريبية تعمل ببطاريات الجرافين في الصين، لكن عندما طلبنا تفاصيل عن البرنامج، مثل الشركة المسؤولة عن تشغيل الحافلات وأداء البطاريات، رفضت الشركة الإدلاء بمزيد من التفاصيل.

فمن منظور أكبر، نجح العلماء في عزل الجرافين أول مرة في العام 2004، فلماذا نسارع إلى إدخاله في جميع التقنيات حاليًا؟

قال كريستوس «خلال العشرين عامًا الماضية، عمل الباحثون في مجالات تخزين الطاقة بجهد ومثابرة سعيًا لتطوير مادة نانوية مركبة ذات خواص جيدة، وأرادوا صنع قطب من السيليكون والجرافين ضمن الخواص المطلوبة، وتكللت أعمالهم بالنجاح، فازدادت سهولة تصنيع الجرافين والمواد النانوية المشتقة منه، مثل أكاسيد الجرافين.»

وأضاف «تتمتع المواد النانوية بخصائص أفضل، فمثلًا تمزج أكاسيد الجرافين على نحو أفضل مع السيلكون، وإذا خفض محتوى الأكسجين بالمعالجة الكيميائية والحرارية، تزداد خصائص تلك الأكاسيد جودة.»

نستنتج من ذلك أن مادة الجرافين ظلت مستعدة «لإحداث ثورة في البطاريات» منذ أعوام. وربما يتغير هذا الحال في ظل الانخفاض المستمر في تكاليف التصنيع، إذ ذكرت شركات ناشئة عدة لمرصد المستقبل أن بطارياتها ستباع في العام المقبل لاستخدامها على الأجهزة الصغيرة مثل الأدوات الكهربائية، ويخططون لتصنيعها بما يلائم أجهزة أكبر مستقبلًا.

وقال تشيب بريتنكامب من نانوجراف «تتطلب بطاريات المركبات الكهربائية دورات اختبارية طويلة جدًا، لذلك من الضروري اختبار بطاريات الجرافين لفترة تتراوح من 3 إلى 4 أعوام على أقل تقدير. فالمسألة ليست عن تشغيل المركبات الكهربائية بهذه البطاريات، لأننا كلنا ثقة بقدرتها على ذلك، لكنها مسألة وقت قبل أن نحصل على الاعتمادات اللازمة لتحقيق ذلك، وخاصة فيما يخص معايير السلامة والعمر التشغيلي.»

لا ريب أن بطاريات الجرافين حظيت باهتمام من جهات أخرى، وليس من الشركات الناشئة فقط، إذ رجح خبراء عدة خلال مقابلاتهم أن شركة تسلا ربما تجري تجارب سرية على هذه التقنية، لكنهم جميعًا قالوا أنه مجرد تخمين.

وقال سامويل «أنا متيقن بأن تسلا تعمل على هذه التقنية.» وعلق كريستوس على ذلك قائلًا «ربما تعمل تسلا على ذلك، لكن جميع أنشطتها بهذا الشأن سرية تمامًا، فلا يمكن لأحد خارج الشركة أن يعرف ذلك.»

وجدير بالذكر أن تسلا حلّت مؤخرًا قسم العلاقات العامة في الشركة بأكمله، لذلك لم يحصل مرصد المستقبل على إجابة عن هذه المسألة، لكن بغض النظر عن حقيقة هذه التجارب، تعاني هذه التقنية من تحديات فنية عدة، وينبغي تجاوزها قبل أن تصبح منتجًا مفيدًا للبشرية.

أولًا، إن نجحت شركة سيارات كبرى في تطوير بطاريات جرافين جاهزة للطرح بالأسواق، وفقًا لسامويل، ستبرز حينئذ حاجة كبيرة إلى شحن السيارات، ما يشكل خطرًا على البنية التحتية الكهربائية.

إذ قال سامويل «لا تكاد شبكات الكهرباء قادرة على تحمّل العبء حاليًا، وبطاريات الجرافين تحتاج إلى كمية كبيرة من الكهرباء، لذلك لا أجزم بتحقيق ذلك مستقبلًا، فالقضية لا تقتصر على بناء محطة نووية مثلًا لتلبية الطلب الزائد، فالبنية التحتية الجديدة ستتطلب كذلك تغييرات جذرية في توزيع الطاقة، فضلًا عن البحث في قدرة التوصيلات الكهربائية في المدن على تحمل التدفق الزائد من الطاقة.»

ثانيًا، ووفقًا لتشيب بريتنكامب، يقر الجميع بوجود مشكلات فنية، فالسحب المكثف من البطاريات قد يؤدي إلى الزحف الشجيري، وهي عبارة عن دائرة قصر داخلية. لكن العديد من الخبراء قالوا لمرصد المستقبل أن حل هذه المشكلة يكمن باستخدام المزيد من الجرافين.

ثالثًا، إن تغلب العلماء على مشكلة الزحف الشجيري، ما زالت أمامهم مشكلات التصنيع، فربما تستخدم الشركات وسائل مختلفة لطلاء البطاريات بالجرافين، لكن التحدي يكمن في الاتساق بين الشركات مهما كانت الوسيلة.

وفي المجمل، يرى كريستوس أن العلماء قادرون على تصنيع نماذج أولية في المختبر، لكن الانتقال إلى مرحلة الإنتاج الشامل هو التحدي الرئيس. إذ قال «أجزم بقدرتنا على تصنيعها، لكنها ليست مستعدة للاستخدام العملي، فمع أننا ملمون بصناعة مواد نانوية مركبة مثل خليط الجرافين والسيلكون، هل نستطيع أن نحولها إلى منتج قابل للتكرار، هذا هو التحدي الحقيقي.»

وعلينا ألا ننس الزخم المحيط بمادة الجرافين وتطويرها واستدامتها والاهتمام بها منذ اكتشافها. إذ دخلت في صناعة المعاطف، ووصفت بأنها مصدر لا ينضب من الكهرباء، فضلًا عن استخدامها كوسيلة لتحلية الماء لحظيًا.

ووفقًا لجريج ليس، المدير الفني في مختبر باتري يوزر لابروتري التابع لمعهد الطاقة بجامعة ميشيغان، يعزى ذلك إلى حاجة العلماء لجذب الاهتمام بأعمالهم، ولا أستطيع أن أجزم بمصير بطاريات الجرافين. غير أن جريج يقر بأن الجرافين ليس ضمن مجالات اختصاصه، ومع ذلك فهو يظن أنها مجرد موضة عابرة، وستزول سريعًا كغيرها.

وضرب جريج بالأنابيب النانوية الكربونية مثالًا، التي قال عنها الكثيرون العام الماضي بأنها «المادة المعجزة» وهي قطع من الجرافين ملفوفة في صورة أنابيب، إذ أطلقت مزاعم كثيرة عن قدرة المادة على إحداث ثورة، تمامًا كبطاريات الجرافين.

وقال جريج «الجرافين برأيي مادة حماسية. فهل تؤدي إلى تقدمات تقنية؟ نعم. هل تكون تلك التقدمات جيدة إلى درجة كافية لاستبدال خيارات أرخص وأكثر إتاحة؟ ربما لا وربما نعم، لا أعلم.»

باختصار، يحجب الكلام الكثير عن الجرافين المستقبل الحقيقي لهذه المادة. فمن الصعب التفريق بين المنافع الحقيقية للمواد النانوية وبين المساعي الخيالية ذات النوايا الحسنة، والتي يتبين قصورها لاحقًا. لكن لا بد من بناء قراراتنا على أسس بيئية، فإذا أردنا تجنب الآثار المدمرة للتغير المناخي، فعلينا التعويل على تلك المزاعم الخيالية إن برزت إمكانية تحقيق ولو جزء منها، لأنها قد تشكل سلاحًا قيمًا في الكفاح ضد مصادر الوقود الأحفوري.

وعلق تشيب على دور الجرافين في إحداث ثورة في السيارات الكهربائية «نشعر بحماس بالغ ونحن نشهد انتشار السيارات الكهربائية وتحولها إلى أمر واقع، ولاحظنا ذلك خلال الأعوام العشرة الماضية. فأن نتمكن من صنع سيارة بتكلفة معقولة مناسبة لركنها في مرأبك، حقًا سيغير ذلك أمورًا كثيرة، وربما يحدث تحولات جذرية في التغير المناخي وحتى الوظائف.»