تدريب بدلائنا القادمين

دعونا نتخيل معاً المشاعر المتضاربة التي تنتاب الخبراء في التعلم الآلي وهم يبتكرون ذكاءً اصطناعياً يعلمون أنه يوماً ما، وربما قريباً جداً، لن يكون قادراً على ابتكار ذكاء اصطناعي بنفسه فحسب، بل سيتفوق على صانعيه في هذا المجال أيضاً. سيصبح هذا الأمر أسلوب العصر الجديد في التمسك بالتقليد العريق المتعلق بوجوب تدريبنا لبدلائنا القادمين. يجري حالياً دفع رواتب مرتفعة لخبراء التعلم الآلي نظراً لأعدادهم المحدودة، والطلب المرتفع على مهاراتهم القيمة. مع ذلك - ومع بزوغ فجر البرمجيات التي "تتعلم كيفية التعلم" - يبدو أن الأيام التي تفصلهم عن ظهور منافسين اصطناعيين لهم باتت معدودة.

إنّ أكثر العقول المنتجة في أبحاث الذكاء الاصطناعي من مجموعات مثل جوجل برين، أوبن ايه آي، ديب مايند، وأقسام البحوث في الجامعات في المدارس التكنولوجية المرموقة في البلاد، تعمل على تطوير أنظمة للتعلم الآلي قادرة على ابتكار أنظمة أخرى للتعلم الآلي بنفسها. حيث تمكّن باحثون من جوجل برين من تصميم برنامج قام بابتكار نظام للذكاء الاصطناعي لإجراء اختبار يقيس مدى قدرة برنامج ما على معالجة اللغة بشكل جيد. اجتاز البرنامج الاختبار بشكل أفضل مما فعله برنامج مشابه آخر من تصميم البشر.

وفقاً لموقع MIT Technology Review، يرى قائد مجموعة جوجل برين أن "التعلم الآلي المؤتمت" هو أكثر المسارات البحثية الواعدة بالنسبة لفريقه. حيث يقول: "حالياً، الطريقة التي تحل وفقها المشاكل، هي أن يكون لديك خبرة وبيانات وقدرات حسابية. هل يمكننا أن نلغي الحاجة إلى وجود الكثير من خبرات التعلم الآلي؟".

حقوق الصورة: شاترستوك\ يوري
حقوق الصورة: شاترستوك\ يوري

توسيع قاعدة الخبراء باستمرار

إن تبيّن أن بإمكان الذكاء الاصطناعي أن ينجز وظائفه بالشكل المطلوب عند مستويات مماثلة لتجربة جوجل برين، فعندئذ قد يقودنا الذكاء الاصطناعي ذاتي البدء، إلى مراحل يتم فيها إنجاز هذه التكنولوجيا أسرع مما سبق. في حين يبدو هذا الاحتمال في غاية الإثارة لعشاق التكنولوجيا، إلا أن هناك تزايداً في أعداد الناس القلقين بشأن انعكاس هذه الإنجازات الجديدة المتزايدة من أنظمة الذكاء الاصطناعي على مصادر رزقهم.

يبدو أن الأتمتة قد بدأت بتغيير ملامح الأسلوب الذي كانت تتم وفقه إدارة عجلة الاقتصاد، وحتى الرأسمالية نفسها، على مدى قرون مضت. وعلى المدى الطويل، لا شك أن الآلات أرخص تكلفة من العمال البشر. حيث لن يعود هناك حاجة للقلق بشأن الإجازات، والنقابات، والتأمين الصحي، أو جوانب أخرى كثيرة تتعلق بالتوظيف، والتي يحتاجها الناس أو يتوقعونها من أرباب عملهم. مع ذلك، علينا أن ندرك أن هذه القوة العاملة الأرخص كلفة، والأكثر كفاءة، ستكون لدينا في المستقبل، ولكن كلفتها ستكون باهظة.

إن أكبر قطاع سيتأثر بانتشار حلول الأتمتة هو التصنيع، خاصة في بلدان العالم النامي. حتى إن الرئيس السابق أوباما أشار إلى الأتمتة في خطبته الوداعية. يقول خبراء القطاع الصناعي: " الموجة المقبلة من الاضطرابات الاقتصادية لن تأتي من خارج الحدود. بل ستأتي من الوتيرة القاسية للأتمتة التي ستضع الكثير من وظائف الطبقة الوسطى الجيدة خارج الخدمة".

الأكثر من ذلك، هو أنه كما يشير هذا التطور، ليست وظائف المهارات المتدنية هي وحدها التي تنتظر مصير الزوال، فهناك أنظمة للذكاء الاصطناعي يتم تطويرها في الوقت الحالي، يمكنها أن تحل محل محرري الأفلام، ومؤلفي الأغاني، والصحافيين، وأكثر من ذلك بكثير. والآن، مع وجود ذكاء اصطناعي قادر على ابتكار ذكاء اصطناعي من تلقاء نفسه أفضل من البشر، نحن بحاجة جميعاً لكي نتحلى بمزيد من الحذر والإدراك تجاه ما ينتظرنا في المستقبل المنظور.