العواصف الترابية شائعة في المريخ، لكن كل عقد تقريبًا يحدث شيء غريب: تندلع سلسلة من العواصف الجامحة، فتغطي الكوكب كله بغشاء غباريّ.

في العام الماضي استطاع أسطول مركبات فضائية تابع لوكالة ناسا أن يلقي نظرة عن قرب على العاصفة الترابية التي اندلعت في 2018 ووضعت حدًّا لبعثة مركبة أبورتيونيتي؛ وما زال العلماء حَيَارى في البيانات، لكن مؤخرًا نُشرت ورقتان بحثيتان سَلَّطتا الضوء على ظاهرة لُوحظت في العاصفة: أبراج الغبار. فما هي؟

إنها غَمَائم ترابية كثيفة تَسخن بأشعة الشمس وترتفع في السماء. ويظن العلماء أن ذلك الغبار عالِق به بخار ماء، وأنه بمنزلة مصعد لتلك المياه، يصعد به إلى الفضاء، حيث يحلل إشعاع الشمس جزيئاتها؛ وهذا قد يفسر اختفاء مياه المريخ على مدى مليارات الأعوام.

الأبراج الغبارية غَمائم عملاقة جيّاشة، أكثف من الغبار السطحي العادي، وترتفع أعلى منه في الغلاف الجوي المريخي الرقيق؛ وصحيح أنها تنشأ في الظروف العادية، لكنها تكون أعظم عددًا أثناء العواصف الكوكبية الشاملة.

ينشأ البرج من سطح الكوكب، إذ يرتفع الغبار سريعًا على مساحة فسيحة تُقارب مساحة ولاية رود آيلاند الأمريكية؛ وعندما يبلغ ارتفاع 80 كم -كما شُوهد في عاصفة 2018 الكوكبية- قد يصبح عرضه كعرض ولاية نيفادا الأمريكية؛ وعند الاضمحلال يسعه تكوين طبقة غبارية على ارتفاع 56 كم، قد تفوق الولايات المتحدة عرضًا.

الفضل في المعلومات الحديثة هذه راجع إلى مركبة «مارس ريكونيسانس أوربيتر» التي يقودها مختبر الدفع النفاث في باسادينا في كاليفورنيا؛ فعلى رغم غرق الكوكب كله في العاصفة الترابية، استطاعت الاستكشاف بأداة «المصوات المريخي المناخي» الحساسة للحرارة، المصمَّمة خصوصًا لقياس مستويات الغبار؛ وبالجمع بين بياناتها وصور التقطها مسبار مداري يُدعى «مارسي،» استطاع العلماء رصد عديد من الأبراج الغبارية العملاقة.

كيف فقد المريخ ماءه؟

أبراج الغبار موجودة في المريخ طول العام، لكن المركبة رصدت شيئًا مختلفًا في عاصفة 2018 الكوكبية، ذكره المؤلف الأول للبحث نيكولاس هيفنز «عادة ما يتساقط الغبار بعد يوم تقريبًا، لكن في العاصفة الكوكبية تتجدد أبراج الغبار وتستمر أسابيع؛» بل لُوحظ في عدة الحالات استمرار البرج ثلاثة أسابيع ونصف.

فاجأ هذا هيفنز وبقية العلماء، والأغرب هو احتمال أن تكون تلك الأبراج «مصاعد فضائية» لمواد أخرى، فتنقلها إلى الفضاء عبر الغلاف الجوي؛ فالغبار حين يسخن وهو في السماء، يكوِّن جيوب هواء ترفع معها غازات، إلى جانب كميات بخار الماء الضئيلة التي تظهر لنا أحيانًا في صورة سُحب.

جاء في ورقة أخرى شارك فيها هيفنز أن جزيئات الماء ارتفعت في عاصفة 2007 الكوكبية إلى أعلى الغلاف الجوي، حيث يستطيع إشعاع الشمس تفكيكها إلى جسيمات تهرب إلى الفضاء؛ فربما يفسر هذا فقدان الكوكب الأحمر لبحيراته وأنهاره على مدى مليارات الأعوام، ليصبح الصحراء الباردة التي نراها اليوم.

لم يتأكد للعلماء بعد سبب تلك العواصف الكوكبية، لأنهم لم يدرسوا منها إلا قليلًا؛ وقال ديفيد كاس العامل بمختبر الدفع النفاث «العواصف الترابية الكوكبية غريبة جدًّا، وليس لها على الأرض مثيل.»

يأمل فريق «مارس ريكونيسانس أوربيتر» أن يتمكن بمرور الوقت وازدياد البيانات من فهم طبيعة تلك الأبراج الغبارية ودورها المحتمَل في نزع الماء من الكوكب الأحمر.