تعد تقنية التصوير السينمائي والصور المتحركة من أبرز طفرات القرن العشرين واختراعاته، حتى أنها شكلت معالم عصر جديد غير وجه وطبيعة التأريخ والتوثيق، واليوم أصبحت صناعة الأفلام فنًا يقدم مؤثرات بصرية وصوتية غير مسبوقة.

ويرجع الفضل لابتكار الكاميرا التي أنتجت لنا هذا العالم الفني الموازي لعالمنا للعالمين توماس إديسون وويليام وديكسون، حينما عرضا صورًا متحركة من خلال جهاز عرض سمّي كينتوسكوب، ليخرج منه الضوء من ثقب يشبه ثقب الباب، وعرضه علنًا في العام 1893 في الولايات المتحدة.

وتوالت أفلام السينما في التطور بدخول الصوت إلى الأفلام الصامتة التي تعرض بالأبيض والأسود عام 1927، حيث نجحت حينها المحاولات الأولى لإضافة صوت يتزامن مع الصور التي تعرض باستخدام أسطوانات أو أقراص صوتية.

ولكن النقلة الحقيقية التي استمرت منها تقنية التصوير السينمائي في صعودها إلى القمة كانت ظهور أول فيلم بالألوان في العام 1935 بعنوان «بيكي شارب» في الولايات المتحدة أيضًا. واختلف المؤرخون بشأن دخول السينما إلى البلدان العربية، ويقول بعضهم أن البداية كانت بدخول أول فيلم سينمائي إلى مصر في العام 1896.

 

بدأت السينما في الازدهار كصناعة مستقلة بذاتها، وتنافست شركات الانتاج في تقديم الأفلام بالألوان الطبيعية ومنها ما ترك علامات إلى اليوم مثل «ذهب مع الريح» ، «ساحر أوز.» واعتمدت على عناصر متعددة، مثل القصة والملابس والديكور لتحقيق عنصر الإبهار لدى المشاهدين. وكانت تقنية فيلم التكنيكولور هي التقنية السائدة لتصوير الأفلام بالألوان في هوليود في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي بدأت كما أسلفنا بإنتاج أول فيلم هوليودي باستخدام عملية الألوان الثلاثة في العام 1935.

عالم من الخيال

وتوالت الابداعات حيث أصبح من متطلبات الترفيه السينمائي تقديم روايات تعتمد الخيال وتبتعد عن الواقع مثل إظهار الشخصيات ذاتها في صور متعددة ضمن اللقطة ذاتها، أو استخدام خلفيات في أماكن يصعب السفر إليها. وهنا ظهرت تقنية الكروما أو استخدام خلفية الشاشة الخضراء أو الزرقاء -دون الاستعانة بالبدلاء أو الخلفيات المرسومة باليد والتي كانت تستغرق وقتًا طويلًا لتنفيذها بالشكل اللائق.

واستمرت تقنيات التصوير في التطور إلى أن وصلنا إلى العصر الرقمي فأنتجت كاميرات الفيديو الكبيرة ثم الصغيرة عالية الدقة، حتى أصبح التصوير الرقمي في عصرنا الحالي بديلًا أقل تكلفة وأعلى جودة لأشرطة الأفلام التقليدية. وترافق ذلك مع تطور الإنترنت ليحدث ذلك تغيرًا جذريًا لمفهوم تصوير الأفلام وطبيعته وتقنياته.

تزامنت بداية الألفية مع المرحلة الحقيقية لولادة تقنية السي جي أي، أو الصور التي تنتج رقميًا بالحاسوب. وهي التقنية الديناميكية المقدمة للتعبير عن مصطلح العالم الافتراضي في التصوير السينمائي. وتستخدم هذه التقنية المتطورة صورًا رقمية ينفذها فنانون رقميون لتعرض منفردة أو تدمج مع الشخصيات الواقعية في الأفلام فترسم وتحرك بالحاسوب.

وتدخل تلك التقنيات تحت مظلة في إف إكس أو المؤثرات البصرية المتنوعة التي نعرفها في عصرنا الحالي في أفلام التشويق والحركة ما ينتج صورة مبهرة تتحدى حدود الواقع إلى عوالم يتصورها الكتاب والمخرجون في خيالهم.

وأشيع التقنيات في هذا المجال تقنية توليد شخصيات خيالية من خلف قناع رقمي يجسد خلفه الفنانون حركة الشخصية، إذ أحدثت هذه التقنية طفرة في نوعية أفلام الخيال والحركة في العشرين عامًا الماضية.

وتلك التقنيات هي السبب في نجاح أفلام ناجحة تجاريًا مثل شخصيات فيلم أفاتار، وكوكب القرود، وملك الخواتم، وأخيرًا المحاولة الجريئة لاستخدام بطلة رقمية في فيلم أليتا، والتي نفذت بطريقة تحاكي البشر بأقرب ما يكون على الشاشة. وتعتمد هذه التقنية على تصوير انفعالات الفنان رقميًا بواسطة نقاط متعددة ترسم على وجهه، ثم تنقل هذه الانفعالات الحركية رقميًا بواسطة تطبيقات متطورة لتربط بالشخصية التي أنتجت بواسطة الحاسوب ليصبح أمامنا شخصيات خيالية تتحدث وتنفعل وتعبر عن عواطفها كأنها بشر.

طفرات تقنية

ولحق التطور أيضًا بتقنيات التصوير فدخل الذكاء الاصطناعي إلى عملية تحرير الفيديو، ما منح المشاهد تجربة بصرية غير مسبوقة، مثل تباطؤ الصورة أو تسارعها وإنتاج مشاهد بانورامية باستخدام الطائرات المسيرة والأذرع الروبوتية الدوارة. شاهدنا كل هذا في تقنيات عصرية مثل عملية تصوير الفلو موشن والسلو موشن والهايبر لابس والجلام بوت على السجادة الحمراء وكلها تقنيات تعتمد على برامج رقمية تحسن التجربة البصرية بلقطات فريدة وممتعة.

والاتجاه الأكثر حداثة في استخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي اليوم هو إعادة الشباب لشخصيات تخطت مرحلة الشيخوخة وهي تقنية طبقت في أفلام مارفل التي تمثل النموذج الأنصع في هذا المجال. ويدور الحديث اليوم عن فيلم المخرج مارتن سكورسيزي »الأيرلندي» الذي يطبق أحدث ، وتسمى دي-إيدجينج، وهي تظهر نجوم كبار مثل روبرت دي نيرو وآل باتشينو أصغر عمرًا، وسيتلقى فريق الفيلم جائزة جمعية الإنجازات المرئية في إي إس في حفلها السنوي الثامن عشر في 29 يناير/كانون الثاني 2020 في  بيفرلي هيلز، الولايات المتحدة.

وتعتمد هذه الأفلام على تقنية الدي-إيجينج (عكس التقدم بالعمر) التي سادت هذا العام في عدة أفلام أشهرها «جيميناي مان» لويل سميث حيث يظهر بجوار شخصية شابة مستنسخة عنه، وكذلك العودة بشخصيات أفلام مارفل إلى الماضي لخلق التأثير ذاته. ومن المتوقع أن يستمر تحسن جودة الصورة التي تستخدم مؤثرات الدي-إيدجينج البصرية لتصبح أكثر واقعية. وتعتمد المؤثرات البصرية على لقطات مختلفة يخترق خلالها الضوء الجلد لخلق تأثير مشابه لشكل الوجه في مرحلة سنية أصغر.

مستقبل السينما

يبدو أن إنجازات السينما في القرن الواحد العشرين في مجال المؤثرات البصرية قد أثمرت عن طموحات مثيرة للجدل ومنها التفكير في استخدام فنانون رحلوا عنّا منذ عقود للظهور في أفلام جديدة. وخاصة بعد ظهور تقنية مثيرة للجدل تسمى «ديب فيك» والتي تمكن القائمين على صناعة الأفلام من استخدام أي وجه على الفيديو وتركيب الحركة والصوت لدمجها، لتكون النتيجة مبهرة يصعب تفريقها عن الواقع.

وتتداول أيضًا أفكار الحديث عن استبدال الممثلين بالكامل بشخصيات رقمية يولدها الحاسوب محاكيًا البشر تمامًا بطريقة مقنعة إلى درجة مذهلة، إذ أعلن عن فيلم يلعب بطولته الفنان جيمس دين بعد وفاته بأربعة وستين عاماً!  وقوبلت فكرة إحياء النجوم السابقة رقميًا بانتقاد واسع النطاق. ولكن شركة الإنتاج ماجيك سيتي فيلمز حصلت بالفعل على حقوق استخدام جيمس دين في فيلمها الجديد «فايندينج جاك» وسيكون عن دراما تدور في حرب فيتنام.

ويعد الشق الأخلاقي المتعلق بإقدام شركات صناعة السينما على تنفيذ مثل هذه التغييرات الجذرية التي قد تقضي على مستقبل فنانين وموهوبين كبار، أو تستغل أخرين بعد وفاتهم، موضع نقاش واسع. لكن سيظل الجمهور هو المقياس الحقيقي لتقييم الجيد من تقنيات الأفلام. فمنذ دخول تقنيات تحريك الشخصيات للعالم الرقمي ونحن نشاهد إنجازات بصرية ممتعة على شاشات السينما. وأصبح الهدف الرئيس لتقنيات العرض السينمائي تقديم أعلى مستوى للتجربة المرئية متمثلًا في تنوع دور العرض ثلاثي ورباعي الأبعاد وآي ماكس. فهي جميعًا تقنيات تواكب التطور المتسارع لجودة الصورة والصوت وتسعى للوصول إلى تجربة تفاعلية أغنى للمشاهد فتغمر حواسه وتأسرها لمنحه ساعات من الترفيه المميز.

إعداد- لمياء الخولي