تزداد الجهود حول العالم للابتعاد عن الوقود الأحفوري، وتسعى الشركات جاهدةً لإيجاد بدائل فعالة، وهو ما نلاحظه في التحول الكبير نحو السيارات الخضراء والعمل على تشغيل سيارات المستقبل بمصادر طاقة متجددة.

وفي حين تعمل السيارات الكهربائية على إحداث ثورة في جميع أنحاء العالم، تبقى استدامتها بحاجة إلى إثبات. إذ على الرغم من مستقبل السيارات الكهربائية المزدهر، إلا أن التأثير البيئي للمركبات لن يختفي بوجود المركبات الكهربائية بل سينتقل إلى محطات الفحم العاملة على تشغيلها في ظل الوضع الحالي لشبكة الطاقة العالمية، أي إنه من المحتمل أن تتصدر المركبات الكهربائية مستقبل السيارات البديلة لمركبات الوقود الأحفوري، إلا أنها لن تكون الحل الوحيد.

بدائل الوقود الأحفوري

وليست البطاريات الكهربائية البديل الوحيد لوقود المركبات المشتق من النفط، إذ تشكل خلايا وقود الهيدروجين والوقود الحيوي بدائل مستدامة، وبدأ البحث عن خلايا وقود الهيدروجين في أبحاث وكالة الإدارة الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) في خضم أبحاث عصر السباق نحو الفضاء، واستُخدم الهيدروجين وقودًا في سلسلة الصواريخ ساترون5، ويمكن الآن استخدامه في السيارات.

سيارات الهيدروجين

ويبقى وقود الهيدروجين من حيث الجدوى غنيًا جدًا بالطاقة مقارنة بالبنزين وبطاريات المركبات الكهربائية، إضافة إلى نظافة ناتج عوادم المركبات العاملة على الهيدروجين، إذ تطلق الماء النظيف فقط. وتتمثل العقبات الحالية لتوسيع نطاق خلايا الوقود الهيدروجينية في صناعة السيارات في تكلفتها المرتفعة والتقبل الاجتماعي لها. إذ يرى الناس أن وقود الهيدروجين خطير ومتفجر نظرًا لبدايته المرتبطة بوقود الصواريخ، على الرغم من أن هذه النظرة بدأت تتغير في الفترة الأخيرة.

وليس الحديث عن إنتاج الوقود الهيدروجيني بالأمر الجديد، وكان من المفترض أن تكون خلايا الوقود الهيدروجيني أهم اختراع في العصر الحديث، ووصل الحديث عنها إلى ذروته خلال أزمة البترول في سبعينيات القرن الماضي، لتكون مصدرًا للطاقة النظيفة لتشغيل السيارات والمحطات الكهربائية، لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة، لأن إنتاجه مكلف جدًا. ونتيجة لذلك، اقتصر الوقود الهيدروجيني غالبًا على المختبرات، مع محاولات خجولة لاستخدامه لصنع مركبات ومولدات احتياطية تعمل بالطاقة الهيدروجينية لم تنتشر على نطاق واسع.

مشكلات التخزين

ورحب كثير من المتخصصين وأنصار البيئة باستخدام غاز الهيدروجين بصفته وقودًا يراعي البيئة لفترة من الوقت، لكن اقتصر استخدامه على نطاق ضيق لأسباب عملية؛ فاستخدامه يتطلب ضغطه في خزانات كبيرة وهذا يجعل نقله وتخزينه أمرًا صعبًا.

وقالت كبيرة مهندسي شركة تويوتا، جاكي بيردسال، في حديث لمرصد المستقبل، إن «أكبر العقبات التي تواجه صناعة خلايا الوقود الهيدروجيني في الوقت الحاضر، هي بناء بنية تحتية للتزود به، فمع أن لدينا بالفعل تقنية جاهزة للوقود الهيدروجيني والبنية التحتية اللازمة لإنتاج ونقل الهيدروجين، فإن التحدي الماثل أمامنا هو بناء محطات لتعبئة هذا الوقود للسيارات.»

وصنعت شركة تويوتا عام 2015، سيارة تويوتا ميراي؛ أول سيارة هيدروجينية تنتج على نطاق واسع، لا ينبعث منها سوى بخار الماء، وتستطيع السفر لمسافة 502 بخزان واحد من الهيدروجين المضغوط ويمكن إعادة تعبئة الخزان خلال 5 دقائق فقط. إلا أن تلك السيارة لم تنتشر في العالم حتى الآن، إذ تعاني من قلة محطات التزود بالوقود الهيدروجيني.

وفي ختام العام 2015 لم يكن في ولاية كاليفورنيا الأمريكية مثلًا سوى عشر محطات وقود هيدروجيني مفتوحة، وتشهد مشاريع محطات الهيدروجين في الطرق السريعة في أوروبا الغربية والدول الأسكندنافية تباطؤاً مماثلاً، والأكثر من ذلك أنه لا يوجد سوى بضع عشرات من السائقين في الولايات المتحدة يستقلون سيارة تستخدم خلايا الوقود الهيدروجيني.

المركبات الكهربائية في العصر الحديث

تتنافس الشركات العالمية على ولوج عالم الطاقة النظيفة في ظل تحديات مناخية تعصف بالكوكب، إذ بدأت واحدةً تلو الأخرى بالانتقال من سيارات الوقود الأحفوري إلى السيارات الهجينة أو الكهربائية، في ظل دور رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وإرساء الأسس لحل مشكلة انبعاث الغازات الدفيئة.

وإلى جانب الأهداف البيئية، تسعى الشركات العالمية إلى الاستفادة القصوى من سمة العصر الحالية، ورغبة الناس في المحافظة على البيئة، وبالتالي توسيع شريحة الجمهور المستهدف من خلال إضافة السيارات الكهربائية إلى قائمة الأنواع المُنتَجة في كل شركة، ومنافسة الشركات الأخرى بسيارات كهربائية ذات مواصفات عالمية.

وفي حين أن الغرض الأساسي للسيارات الكهربائية هو تقليل التأثير البيئي وتحقيق الاستدامة، نجدها ما تزال ضارة مثل سيارات الوقود الأحفوري، نظرًا لاستخدام البطاريات الغنية بالكيماويات الثقيلة واعتماد الطاقة على محطات الفحم. ويمكن للسيارات الكهربائية على الرغم من ذلك أن تصبح رائدة في المستقبل في صناعة السيارات بمجرد ظهور بنية أساسية حديثة، إضافةً إلى توليد الطاقة الكهربائية بطريقة أكثر استدامة.

وتشير بيانات صادرة عن كبريات شركات السيارات العالمية إلى أن الشهور القليلة المقبلة ستشهد تنافسًا غير مسبوق لإنتاج السيارات الكهربائية، في توجه جديد يبدو أن الشركات تسعى من خلاله لمجاراة زيادة الوعي الشعبي والتوجه العالمي الرامي إلى التصدي للتغيرات المناخية والتقليل من أضرار الاعتماد على مشتقات الوقود الأحفوري في وسائل النقل.

ولم يقتصر الأمر في الآونة الأخيرة على الشركات التي تتبنى سياسات الاقتصاد الأخضر؛ مثل تسلا، بل أصبح جزءًا من خطوط إنتاج شركات السيارات التقليدية، التي تركز -عادة- على التصاميم وقوة المحركات وإدخال آخر صيحات الرفاهية؛ ومنها سيارة هيونداي الجديدة إم فيجن إس الكهربائية الجديدة ذاتية القيادة بالكامل، وسيارة بي إم دبليو الكهربائية آي4، وسيارة ريماك الكهربائية الرياضية، وسيارة مرسيدس الكهربائية طراز إي سبرينتر وطراز إي كيو إيه، وسيارة جينيفيشن الأمريكية جي إكس إي.

نشأة السيارات الكهربائية

وراودت العلماء فكرة إنتاج السيارات الكهربائية منذ فترة طويلة، إذ طور الكيميائي وليام موريسون أول سيارة كهربائية في العام 1890 في ولاية أيوا الأمريكية. لكنها كانت كبيرة الحجم ولم تتخطى سرعتها 20 كيلومتر في الساعة، وبعد ذلك بدأت الشركات في تطوير سيارات كهربائية أفضل ما أدى إلى انتشارها حتى مثلت نحو ثلث السيارات في الولايات المتحدة في العام 1900، وتوقع كثيرون أن يستمر منحنى السيارات الكهربائية في الصعود، لكن التطور الكبير الذي شهدته السيارات التي تستخدم الوقود الأحفوري جعل الناس ينصرفون عن السيارات الكهربائية.

وشهد العام 2008 الميلاد الثاني للسيارات الكهربائية، عندما أنتجت شركة تسلا سيارتها الكهربائية تسلا رودستر التي تبلغ سرعتها القصوى 200 كيلومتر في الساعة ومداها 320 كيلومترًا، وبعد ذلك أنتجت سيارتين جديدتين؛ تسلا إس وتسلا3، وبعد نجاح تسلا دخلت الشركات الكبرى لإنتاج السيارات إلى سوق السيارات الكهربائية وبدأت في إنتاج سيارات منخفضة السعر.

وفي العام 2015، بلغ إنتاج السيارات الكهربائية 1.9 مليون سيارة، ويتوقع خبراء أن يرتفع العدد إلى 9.3 مليون سيارة في العام 2020 و30 مليون سيارة في العام 2025. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تبلغ نسبة السيارات الكهربائية في العالم نحو 15% من الإجمالي بحلول العام 2030.

الوقود الحيوي

ويشكل الوقود الحيوي أو الوقود النباتي البديل الأساسي الأخير لطاقة السيارات. وخلافًا لخلايا الوقود الهيدروجينية والمركبات الكهربائية، لا يتطلب الوقود الحيوي إعادة صياغة البنية التحتية الحالية للسيارات. إذ يمكن تحويل محطات الوقود بسهولة لتزود السيارات بالوقود الحيوي السائل. ويمثل الإيثانول أكثر أنواع الوقود الحيوي شيوعًا، وهو كحول إيثيلي مشتق من السليلوز من النباتات.

والوقود الحيوي، بديل نظيف عن الوقود الأحفوري، مشتق من الكتلة الحيوية المتجددة، وبشكل أكثر تحديدًا، هو وقود بديل صديق للبيئة وخالٍ من الكبريت وقابل للتحلل بيولوجيًا وغير سام.

ويعتمد الوقود الحيوي على إضافة محفزات كيميائية إلى الزيوت النباتية المُستخدَمة، وتسخين المزيج إلى درجة الحرارة المطلوبة لمدة زمنية معينة، ثم غسل الوقود الناتج بالماء المُقطر عدة مرات بهدف تنقيته من الشوائب وبقايا المادة الحافزة. ويُسخدَم الوقود الحيوي بديلًا عن الوقود الأحفوري بمختلف أنواعه، لتشغيل آلات المصانع ومحركات سيارات الديزل بشكل مباشر دون التعديل عليها، ولاستخدامات التدفئة أيضًا. وأهم ما يميز الوقود الحيوي أن الانبعاثات الغازية الناتجة عن احتراقه أقل بنسبة 70% من الانبعاثات الغازية الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري، بالإضافة لقابليته للتحلل بيولوجيًا، ما يجعله مراعيًا للبيئة.

ويبقى الجانب السلبي للوقود الحيوي في احتياجه إلى مساحات هائلة من الأرض لتكريسها بهدف إنتاجه، وهو من المرجح السبب المانع من التحول الكامل إلى الوقود الحيوي إلى الآن. وقد ينافس التحول الكامل إلى الوقود الحيوي، بشكل مباشر، إنتاج الغذاء واستخدام الأراضي، وقد يتحول الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد زراعي إذا تم اعتماد الوقود الحيوي على نطاق واسع.

وفي ظل عمل شركات السيارات غير المسبوق على إيجاد بديل للوقود الأحفوري واستخدامها فرق كبيرة من الباحثين لإيجاد طرق لتشغيل الجيل القادم من السيارات، قد نرى نهاية استخدام الوقود الأحفوري خلال الأعوام العشرين القادمة؛ وفقًا لموقع إنتريستينج إينجينيرينج.

ويبدو أن ارتفاع سوية الوعي الشعبي حول العالم بأضرار الوقود الأحفوري بالبيئة والتوجه الرسمي لحكومات العالم الرامي للتصدي للاحترار العالمي، وضع شركات تصنيع السيارات تحت ضغوطات عدة؛ فإما أن تنظم إلى السباق أو تخاطر بالتخلف عن نظرائها.