توصل العلماء، وللمرة الأولى، إلى صنع ترانزستور من الأنابيب الكربونية النانوية، قادر على العمل بسرعة تقارب ضعفي سرعة عمل مثيله السيليكوني.

يعتبر ذلك إنجازاً مهماً، لأن العلماء عكفوا طوال عقود على التفكير بطريقة تصميم الجيل المقبل من الحواسيب، وذلك باستخدام مكونات مصنوعة من الأنابيب الكربونية النانوية، حيث يمكن للخصائص الفريدة لهذه المادة أن تشكل أساساً لأدوات أسرع في الأداء، وأقل استهلاكاً للطاقة بكثير.

يقول مايكل آرنولد، من جامعة ويسكونسن – ماديسون وأحد أعضاء الفريق: "يعتبر التوصل إلى صنع ترانزستورات من الأنابيب الكربونية النانوية- متفوقة على مثيلاتها السيليكونية- حدثاً مهماً. لطالما كان هذا الإنجاز حلماً في مجال تكنولوجيا النانو منذ 20 سنة."

طُوّرت الأنابيب الكربونية النانوية لأول مرة في 1991، وهي بشكل عام تشكيلات صغيرة من الكربون، تشبه القش، وتبلغ سماكتها ذرة واحدة فقط.

لنتخيل أنبوباً صغيراً، أسطواني الشكل، وأصغر بمقدار 50,000 مرة تقريباً من عرض شعرة البشر، ويتكون من ذرات مرتبة ضمن مصفوفات سداسية. هذا ما سيبدو عليه الأنبوب الكربوني النانوي إذا نظرت إليه على المستوى الذري.

نظراً لحجم الأنابيب الكربونية النانوية، يمكن حشر الملايين منها في شرائح مشابهة للترانزستورات السيليكونية، وهي القواطع الكهربائية التي تشكل بمجموعها وحدة المعالجة المركزية في الحاسوب.

على الرغم من كونها صغيرة جداً، إلا أن الأنابيب الكربونية النانوية تتمتع بخصائص فريدة تجعلها حلماً هندسياً.

تتمتع هذه المادة بقوة تبلغ 100 ضعف من قوة الفولاذ، على الرغم من أنها أخف منه وزناً بست مرات. وهي مطّاطة ومرنة كالخيوط النسيجية، كما أنها تستطيع المحافظة على سماكة ذرة واحدة فقط خلال نموها إلى أن تبلغ مئات الميكرونات طولاً.

يقول ممثل عن شركة لإنتاج الأنابيب الكربونية النانوية في واشنطن: "لتوضيح الصورة، لو كان للشعرة البشرية نفس النسب، لكان طول الشعرة الواحدة أكثر من أربعين متراً".

أما الخاصية الأفضل فهي أنها تتمتع بناقلية تعتبر الأعلى من بين جميع المواد المعروفة حتى الآن، تماماً مثل المادة العجيبة الأخرى التي تبلغ سماكتها ذرة واحدة، الجرافين.

نظراً لوجود الروابط عالية الشدة، التي تجمع ذرات الكربون في نمط سداسي الشكل، تتشكل ظاهرة في الأنابيب الكربونية النانوية تسمى إلغاء التمركز الإلكتروني، والتي تسمح للشحنات الكهربائية بالتحرك عبرها بحريّة.

يسمح ترتيب ذرات الكربون أيضاً للحرارة بالانتقال بثبات عبر الأنبوب، مما يمنح هذه الأنابيب ناقلية حرارية تبلغ 15 ضعفاً تقريباً، وناقلية كهربائية تبلغ 1,000 ضعف مما في النحاس، مع المحافظة على كثافة تبلغ نصف كثافة الألمنيوم.

نظراً لكل تلك الخصائص المذهلة، يمكن لهذه المواد نصف الناقلة المميزة أن تكون الحل للتناقص السريع للقدرات الكامنة للحواسيب التي تعتمد على السيليكون.

حالياً، تعمل جميع حواسيبنا بالاعتماد على معالجات وشرائح ذاكرة سيليكونية، ولكننا نكاد نبلغ الحد الأعلى من السرعة الممكنة لهذه المكونات. وإن تمكن العلماء من العثور على طريقة لاستخدام الأنابيب الكربونية النانوية بدلاً من السيليكون، فسنتمكن من زيادة السرعات خمسة أضعاف على الفور، من الناحية النظرية.

ولكن هناك مشكلة كبرى تعترض إمكانية إنتاج هذه المادة على نطاق واسع، وهي أنه من الصعب عزلها عن كل الشوائب المعدنية التي قد تظهر أثناء عملية الإنتاج، حيث إن هذه الشوائب قد تؤثر على الخواص نصف الناقلة.

ولكن، تمكن آرنولد وفريقه أخيراً من العثور على طريقة للتخلص من كل هذه الشوائب تقريباً. يقول آرنولد: "لقد عثرنا على شروط محددة، تمكنّا فيها من التخلص من جميع الأنابيب النانوية المعدنية تقريباً، وأصبحت نسبتها أقل من 0.01%".

وكما يشرح دانييل أوبرهاوس لموقع موذربورد، فإن التقنية تعتمد على التحكم بخصائص التجميع الذاتي للأنابيب الكربونية النانوية ضمن محلول بوليميري، والذي لا يسمح للباحثين بالتخلص من الشوائب وحسب، بل يمكّنهم أيضاً من تغيير التوزع المناسب للأنابيب النانوية على الشريحة.

يقول دانييل: "حصلنا بالنتيجة على أنابيب نانوية تحوي على نسبة أقل من 0.01% من الشوائب المعدنية، متكاملة على ترانزستور يحقق تياراً أعلى بـ 1.9 مرة من أحدث الترانزستورات السيليكونية المستخدمة حالياً."

تقترح عمليات المحاكاة أن الأنابيب الكربونية النانوية - في شكلها الأنقى - قادرة على العمل بشكل أسرع، وتستهلك الطاقة أقل بخمس مرات من الترانزستورات السيليكونية، لأن أبعادها الصغيرة جداً تسمح لها بتغيير اتجاه إشارة التيار الذي ينتقل عبرها بسرعة فائقة.

سيؤدي ذلك إلى إنجاز فترات عمل أطول لبطاريات الهواتف، واتصالات لاسلكية أسرع، وسرعات معالجة أعلى، ولكن يجب على العلماء أولاً أن يصنعوا حاسوباً حقيقياً باستخدام ترانزستورات من هذه المادة قبل أن نتأكد من ذلك بشكل فعلي.

تمكّن فريق آرنولد من تكبير شريحة الترانزستورات إلى مربع طول ضلعه 2.5 سم (إنش واحد)، وبالتالي، فقد بدؤوا العمل على زيادة فعالية العملية بما يكفي للإنتاج التجاري.