يسعى داون كلارك، الخبير في مجال الإدراك البصري، إلى فهم كيفية معالجة أدمغة الحيوانات للمعلومات التي تجمعها من البيئة المحيطة بها لتحقيق أقصى استفادةٍ منها، ولهذا جرب إجراء تجربة على بصر ذبابة الفاكهة بالاعتماد على كرات ستايروفوم وعرض خدع حركية أمام الذباب ودراسة نتائجها لفهم كيفية عمل الإبصار عند البشر.

وتمثل الخدع البصرية أداةً مهمة لفهم آلية عمل الإبصار. ففي الماضي أسهمت بعض الخدع، مثل شبكة هيرمان وخدعة مولر-لاير، في حل ألغاز النظام البصري البشري. وتظهر هذه الخدع درجة حساسية الأدمغة للتغيرات في مشاهد البيئة المحيطة، وطريقة تكيفها معها، وكيفية تجاهلها للإشارات التي تتواصل لفترةً طويلة.

وأراد كلارك وزملاءه فهم فئة من الخدع تسمى أوهام الانحراف المحيطي، وهي أنماط مرئية ثابتة يظن الشخص أنها تتحرك حينما لا ينظر إليها مباشرةً. وركّز الفريق على فئة بسيطة من هذه الخدع تتدرج فيها ألوان الدائرة بسلاسة من الأبيض إلى الأسود ثم تعود فجأة إلى الأبيض. فعندما ينظر الشخص إلى أطراف دائرة تقع ضمن نطاق رؤيته المحيطة يظن أن الدائرة تدور.

واتبع كلارك نهجًا مختلفًا عن العلماء الآخرين الذين درسوا الخدع على البشر والرئيسيات الأخرى، إذ درس تأثير هذه الخدع على عين ذبابة الفاكهة سوداء البطن.

وعلى الرغم من أن استخدام الذباب لفهم تأثير الخدع البصرية على البشر يبدو توجهًا غريبًا، يرى كلارك أنه اختيارٌ صائب بسبب التشابه الكبير بين الأنظمة البصرية في الذباب والفقاريات، ومنها البشر، وخاصةً في آلية رصد الحركة. ونشر كلارك وزملاءه دراستهم في دورية بروسيدينجس أوف ناشونال أكاديمي أوف ساينسيز، وأوضحوا فيها أن الذباب يتأثر أيضًا بوهم الانحراف المحيطي.

ووضع الباحثون الذباب على كرات ستايروفوم التي ترتكز على وسادات هوائية لمعرفة إن كانت ترى الدوائر السوداء والبيضاء كدوائر ثابتة أم متحركة. وأحاط الباحثون الذباب بشاشات على زاوية 270 درجة لتشكل بيئة واقع افتراضي، وبذلك نجح الباحثون في عرض المحفزات البصرية على الذباب ومراقبة ردة فعله.

وقال ريويوكي تاناكا، الباحث في مختبر كلارك وأحد مؤلفي الدراسة، أن الذباب إن رأى الدائرة تدور في اتجاهٍ معين، سيتحرك في الاتجاه ذاته كيف يتكيف من هذا التغيير. وساعدهم ذلك في اختبار قدرة الذباب على رؤية وهم الانحراف المحيطي. وتفاجأت مارجاريدا أجروكاو، الباحثة في مختبر كلارك، من وضوح النتائج التي قدمتها التجربة.

ولم يقتصر عمل كلارك على إثبات قدرة الذباب على رؤية الخدعة البصرية، لكنه سعى إلى معرفة آلية عملها في الذباب، وهذا قد يقودنا إلى فهم طريقة رؤية البشر لتلك الخدع، بعد استعصى ذلك سابقًا على علماءٍ كثر. فمثلًا، حاول تاناكا معرفة كيفية رؤية البشر للخدع البصرية باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتحديد معدل التروية الدموية التي تصل إلى كل جزءٍ من أجزاء الدماغ عند النظر إلى الخدع البصرية. لكنه لم يحقق نتائج تذكر بسبب مواجهته لعقبات تقنية عديدة.

وذكر الفريق أن دراسة الخدع البصرية على الذباب أسهل كثيرًا من البشر، بسبب السماح باستخدام جميع الوسائل المتاحة، مثل تعطيل الخلايا العصبية والتعديل الوراثي وغيرها. وركز الفريق على مجموعتين من الخلايا العصبية في أدمغة الذباب، يسميان تي-4 وتي-5، واللتين تتأثران بالحواف المتحركة، إذ تتأثر تي-4 بالجانب الباهت بينما تتأثر تي-5 بالجانب الداكن. وتنشط المجموعتان أيضًا حتى في حالة ثبات الحافة.

وعندما عرض الباحثون الخدعة البصرية على الذباب بعد تعطيل مجموع الخلايا العصبية تي-5، وجدوا أنه استمر في رصد الحركة بصورةٍ أقوى، لكن ذلك لم يحدث عندما عطل الباحثون مجموعة الخلايا العصبية تي-4، إذ تحرك الذباب في اتجاه معاكس. فاستنتجوا أن مجموعة تي-4 تسيطر على مجموعة تي-5.

وبعد ذلك تساءل الفريق عن آلية رؤية الخدع البصرية في البشر، فالأدمغة البشرية لا تتضمن مجموعات تي4 أو تي5 لكنها تتضمن خلايا عصبية أخرى تؤدي الدور ذاته. لكن التأكد من العلاقة بين هذه الخلايا والخدع البصرية أمرٌ مستحيل بسبب صعوبة استخدام الوسائل التي استخدمت سابقًا مع الذباب، مثل تعطيل الخلايا العصبية وراثيًا. ولذا قال كلارك أن الفريق استخدم أساليب مبتكرة، فعندما يرى البشر إشارةً معينة لفترة طويلة يتجاهلونها في محاولة للتكيف.

واستخدم الفريق هذا الأسلوب لتعطيل الخلايا العصبية الشبيهة بالخلايا تي-4 وتي-5، من خلال عرض صور الحواف الباهتة والداكنة على البشر لفتراتٍ طويلة وسؤالهم عن الحركة التي يرونها ورؤيتهم لوهم الانحراف المحيطي.

واختبر تاناكا هذا النهج على نفسه، فاختار غرقةً مظلمة في المختبر ونظر إلى الحواف الباهتة والداكنة ووجد أن دماغه عمل بطريقةٍ مشابهة الذباب. وأخضع الفريق 11 شخصًا آخرين للتجربة وسجلوا النتائج ذاتها.