مفهوم الثُقب الأسود هو واحدٌ من أكثر المفاهيم إثارةً للفضول في علم الفيزياء الفلكية، ويُمثل الإجابة عن السؤال: "ما الذي يحدث عندما تُصبح كثافة مادّة في منطقة مُعينة عالية جداً، لدرجة أنها لا يمكن للضوء أن يفلت منها؟"

السبب وراء إثارة هذا السؤال- والذي يعود إلى تنبؤ أينشتاين في العام 1916 في نظريته النسبية العامة- هو أن شُعاع الضوء ينحني باتجاه أي كُتلة قريبة.

لقد أُكِدَ هذا التنبؤ بشكل مُذهل في السنوات الأخيرة من خلال اكتشاف "عدسات الجاذبية"، وذلك عندما تكون كتلة شيء كبيرة جداً لدرجة أنها تُشوّه نسيج الزمكان نفسه، بحيث يسافر الضوء الخارج عن أي جسم وراء هذه الكتلة في طريقٍ منحنٍ نتاجاً، وهذا مشابه لوجود "عدسة" مكبرة تشوّه الضوء.

صورة حقيقية توضّح ظاهرة "عدسة الجاذبية"، الكتلة الصفراء في منتصف الصورة ذات كتلة هائلة جدًا لدرجة أنها شوّهت نسيج الزمكان. خلف هذه الكتلة هناك مجرّة لونها أزرق، والضوء الخارج منها يمشي في مدار مختلف (الزمكان المشوه حول الكتلة الصفراء) ويظهر لنا بهذا الشكل رغم أن المجرة وراء الكتلة الصفراء.

قبل العام 1916 كُنا نعتقد أن هذا رُبما يكون مُمكناً. على كُل حال لماذا ينبغي لجُسيمات الضوء عديمة الكُتلة -أو الفوتونات- أن تتحسس تأثير الكُتلة التي تجتازها؟ الجواب المُثير للدهشة هو أن الشكل الأساسي لكوننا يتأثر بِكُل مادّة داخله، كالاعوجاج الذي تُسببه كرات البلي على سطح قماش مطّاط. شاهد هذا الفيديو لتتخيّل تأثير الكُتَل على الزمكان مولّدةً الجاذبية:

يُطلق على الحد بين مسارات الضوء التي تستطيع الإفلات من التركيز الكثيف للكتلة وتلك التي لا تستطيع بـ "أفق الحدث"- وكلما كانت المادّة أكثر كتلة وكثافة زاد حجم "سطح اللاعودة" كبراً.

بالنسبة لجسم هائل مثل شمسنا ولكي تصبح ثقباً أسودَ يجب أن تتركز مادتها في قطر 6 كيلومترات، وكثافة المادّة التي ستُكون مثل هذا الثقب عالية جداً حوالي2x 1019  كيلوغرام لكل متر مكعب، وهذا أكثر كثافة من نواة الذرّة.

تصوير لتأثير ظاهرة عدسة الجاذبية. ثقب أسود يمر من فوق مجرة في الخلفية.

حتى الآن، الشكل الأكثر كثافة للمادّة، والذي تمت مُصادفته وملاحظته في الطبيعة، تُسمى  النجوم النيوترونية،  وتكون جميع مادّة النجم مكونة من النيوترونات، ومع ذلك لا يُعد النجم النيوتروني كثيفاً كفايةً ليكوّن ثقباً أسودَ بكتلة الشمس.

الكثافة

مِن المُثير للاهتمام أن الكثافة المطلوبة لتكوين الثقب الأسود تتناسب عكسياً مع مُربع الكتلة الكلية، لذلك تُعد كثافة النجم النيوتروني كافيةً لتكوين ثقب أسود فقط إذا امتلك الجسم كتلة بِقدر 2500 مرة من كتلة الشمس، وما يَحدث بالضبط عندما تتركز الكتلة في نفس المكان غيرُ مفهوم بشكل واضح حتى الآن.

هل سيُضغط ليُشكل حالة جديدة، كما هو الحال في الكواركات والتي يعتقد أنها الوحدات البنائية للنيوترونات، أو الوحدات الأساسية البنائية للنيوترونات؟ نحن لا نعلم ما يحدث تماماً.

يبلُغ معدل كثافة الشمس تقريبا 1 غرام لكل سنتيمتر مكعب، وهو يُصادف أنه كثافة الماء السائل على سطح الأرض، وتُعد هذه الكثافة كافية لتكوين ثقب أسود إذا امتلك كُتلة أكبر بحوالي 100 مليون مرة من كتلة الشمس.

هذه هي كُتلة البقايا النجميّة الموجودة في مركز المجرات الضخمة، والاستمرار بهذا المنطق سيؤدي بِنا للتساؤل : "هل نعيش في ثقب أسود؟"  هيمَنَ هذا السؤال على علم الكونيات طوال القرن الماضي.

هل كثافة الكون عالية جداً لدرجة أنها لا تُمكّن الضوء وكل ما حولنا من الهروب؟
يبدو أن الجواب سيكون "لا"، إذ يشهد الكون تمدداً بمعدل تسارعي، وهذا يعني أن كثافة المادّة غير كافية لتكوين ثقب أسود.

كيف نعرف أن الثقوب السوداء موجودة؟

ما هو الدليل الذي يؤكد أن ظاهرة الثقوب السوداء تحدث فعلاً؟
حتى اللحظة، كل الأدلة المتوفرة غير مباشرة.

على مستوى النجوم المفردة هناك حالات لنجوم عادية يبدو أنها تدور حول جسم متماسك بكتلة عشرة أضعاف كتلة الشمس، وبسبب عدم وجود نظرية حتى الآن تفسر ذلك  فقد سُميت هذه الأجسام "بمرشحات الثقوب السوداء".

أما على مستويات أكبر فهناك أدلة على وجود أجسام عملاقة ومضغوطة في المركز، وربما جميع المجرّات، وتمت دراسة الجسم الموجود تحديداً في مركز مجرتنا "درب التبانة" عن طريق تعقب حركات النجوم القريبة منه.

تم استخدام مسارات هذه النجوم لاستنتاج أن الجسم المركزي يجب أن يكون أكبر بحوالي 4 ملايين مرة من كُتلة الشمس، كما يجب أن يكون أصغر بحوالي 1\1000 من السنة الضوئية (حيثُ إن السنة الضوئية تساوي تقريبا 10 تريليون كيلومتر).

بالرغم من كون هذا أفضل دليل في الوقت الحاضر على وجود البقايا النجمية الضخمة جداً والمنضغطة جداً، فمن المهم أيضاً ملاحظة أن حدّ كثافة المادة - الذي يُقدر بحوالي 10 غرامات لكل متر مكعب - ما زال أصغر بـ 100 مرة ممّا نحتاجُ إليه - الذي يُقدّر بحوالي 1 كيلوغرام لكل سنتيمتر مكعب - لتكوين ثقب أسود لهذه الكتلة.

الثقوب السوداء فائقة الضخامة

كما يُوحي اسمها فإن الثقوب السوداء فائقة الضخامة تمتلك كتلة أكبر بحوالي مليار مرة من كتلة الشمس، وهي مُستقرة في مركز مجرات أضخم بكثير من مجرتنا "درب التبانة". على وجه الخصوص تلك التي تملك توزيعاً بيضوياً لنجومها أكثر من التي تشبه القرص. تستضيف العديد من تلك المجرّات الضخمة ظاهرة "أشباه النجوم Quasars" في مرحلةٍ ما من تاريخها أكثر من تلك التي تملك توزيعاً شبه قرصيّ لنجومها.

إن ظاهرة أشباه النجوم (الكويزر) أكثر الأحداث التي شهدها الكون نشاطاً على الإطلاق، وهي تألق لِنجوم موجودة في المجرات المضيفة لملايين السنين، ويُفسر على أنه نتيجة لسقوط المادّة في الجسم المركزي الجاذب.

تمتلك بقايا النجوم العملاقة قوى جذب قوية وكبيرة إلى حد كبير، حيث إنها تقوم بجذب وتمزيق وسحب كل جسم يمر بالقرب منها، ويكون فعل قوة التمزيق بِسبب "قوى المد والجزر"، أي أن تأثير القوة الجذبية يكون ملحوظاً على الأجزاء القريبة لجسم ما أكبر من  تأثيره على الأجزاء البعيدة.

نفس هذه الظاهرة تسبب قوة المد والجزر على الأرض، وبحسب المبدأ نفسهُ فإن القوى الجذبية للقمر تؤثر بشكل  أكبر على جزء الأرض المواجه للقمر منهُ على الجزء الآخر، وعندما تُسحب المادّة باتجاه الجسم المركزي الجاذب فهو يميل لِتجميع وتكوين ما يُطلق عليه تسمية " القرص المُزوّد"  وهو بُنية دورانية سريعة وحارة للغاية، والتي تُدور المواد نحو قنوات باتجاه الجسم المركزي.

إن السبب وراء الدوران السريع هو الحفاظ على الزخم الزاوي، مثلما يحدث أثناء التزحلق على الجليد حين يطلق المُتزحلق ذراعيه للحصول على التوسع المطلوب، وإن أي زخم زاوي أولي يُضخم خلال الانكماش.

أما درجة الحرارة المرتفعة فتنتج عندما تتصادم المواد المجذوبة والمُستقرة بِسرعة عالية.

إن المرحلة الأخيرة من توجيه المواد إلى الداخل هي المرحلة الأكثر تحدياً، وما دامت الطاقة المتكونة نتيجةً للدوران السريع ينبغي أن تتلاشى. طبيعة الحل المُتوفرة لهذه المُشكلة مُثيرة، حيث إن الطاقة الدورانية للقرص المُزوّد تُسلط بإرسال نفاثات عالية السُرعة خارج المحور الدوراني للقرص.

إن ظاهرة النفاثات الطاردة هي ظاهرة موجودة على مدى واسع ومستويات شتى، ابتداءً من عمليات تكويّن النجوم الفردية مثل الشمس وانتهاءً بظاهرة الأقراص المُزوّدة الكوارزية، حيث ستكون النتيجة أكثر الأجسام ضخامةً على الإطلاق، وتمتد لملايين السنين الضوئية على طرفي المجرّة.

ولكن هل البقايا النجمية الضخمة المركزية الموجودة على مدى واسع هي فعلاً ثقوب سوداء، فيما يتعلق بالكثافة الكتلية الكافية التي يجب امتلاكها لتصبح أجزاءً مُنقطعة الاتصال عن باقي الكون؟ أم إنها مجرد حالة مُكثفة للغاية للمادّة التي لا يمكننا فهمها حتى الآن.

قذف عالي السرعة من المادة على مدار القرص الزاوي المحيط بكتلة ضخمة في منتصف مجرة قريبة اسمها قنظورس أ. الصورة من ناسا.

 ما نراه هو ما نؤمن به 

 إن الدليل المباشر على وجود ظاهرة الثقوب السوداء سيكون ممكناً إذا تمّ التقاط صورة لأفق الحدث، وإن أفضل مشهد هو ذلك الذي قد يتم الحصول عليه من خلال النظر على الجسم الموجود في مركز مجرتنا، ما دام سيوفر أفضل تركيب للأفق الحدث من ناحية الحجم وقرب المسافة.

سيكون الحجم المتوقع للصورة تقريباً 0.2 "ملي ثانية قوسية" أو أصغر بـ 10000 مرة من الحجم النموذجي لنجم يُراقب من تلسكوب بصري من الأرض.

ان الدقّة المطلوبة يتم تحقيقها عن طريق شبكة من التيلسكوبات اللاسلكية المفصولة عن بعضها لآلاف الكيلومترات وتقوم بمُراقبة الأطوال الموجية بالمليمترية. مثال على مثل هذه المشاريع هو مشروع نيو هوريزونز، إلى جانب تلسكوب (EHT)، الذي يجري تطويره من قِبل عُلماء فلك في المعهد السميثسوني، وفي حال نجاحها ستُبين الاي اتش تي (EHT) بأن الطبيعة قد أوجدت طريقة فعليّة لدمج المواد معاً لتكوين الكثافة المطلوبة التي لا يُمكن للضوء الإفلات منها.

الوصول لِشكل مفصل لأفق الحدث وكيفية اعتماده على الكتلة الكلية سيوفر أدلةً حول حالة المواد تحت هذه الظروف المتطرفة، وهي ظروف لا يمكننا مُحاكاتها في المختبر.

بانتظارنا الكثير من المفاجآت لأن الطبيعة كالبصلة، في كل مرة نُزيح فيها طبقة تظهر لنا أخرى.