أعلنت المفوضية الأوروبية في 8 يوليو/تموز 2020 عن استراتيجية جديدة تعمل على نشر الاعتماد على الهيدروجين النظيف على نطاق واسع بسرعة كبيرة ليكون الركيزة الأساسية للاتحاد الأوروبي لتحقيق طموحاته المناخية العالية.

ويتخذ الاتحاد الأوروبي الآن نهجًا موجهًا جديدًا بعد أن فشلت الرؤى الكبرى السابقة لفكرة «اقتصاد الهيدروجين» إذ طرحته مسودة المفوضية الأوربية لاستراتيجية الهيدروجين، كحل حاسم لإزالة الكربون المنبعث بشكل كثيف من قطاع الصناعة المعتمد على الوقود الأحفوري؛ مثل صناعة الصلب. وهو خيار واعد لاستخدامه كوقود في النقل؛ مثل الشاحنات والقطارات والسفن؛ وفقًا لموقع نيو ساينتيست.

وعلى الرغم من أن استخدام الهيدروجين لا يتسبب بانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، إلا أن المشكلة تكمن في أن معظم عمليات إِنتاجه اليوم ملوثة للبيئة، إذ يُصنَّع نحو 96% من الهيدروجين من الوقود الأحفوري، من خلال عمليةٍ تُعرَف بإصلاح الميثان البخاري، أما نسبة 4% المتبقية فينتج معظمها باستخدام أجهزة التحليل الكهربائية المعتمدة على محطات توليد طاقة عاملة بالفحم والغاز. وتنتج أوربا نحو 10 ملايين طن من الهيدروجين سنويًا.

وتتطلب الاستراتيجية التوجهَ لما تسميه «الهيدروجين المتجدد» المنتج باستخدام أجهزة تحليل مياه كهربائية تعمل على الطاقة المتجددة، ويُركَّب نحو جيجاواط واحد من أجهزة التحليل الكهربائي في الاتحاد الأوروبي اليوم، وتسعى الاستراتيجيةُ لتركيب أكثر من 6 جيجاواط من أجهزة التحليل الكهربائية للهيدروجين المتجدد بحلول العام 2024، لتزيد إلى 40 جيجاواط بحلول العام 2030.

وتعطي الاستراتيجية الأولوية للهيدروجين المتجدد، المسمى غالبًا الهيدروجين الأخضر، وتشمل أيضًا دعم الهيدروجين الأزرق المصنوع باستخدام الوقود الأحفوري بشرط استخدام تقنية التقاط الكربون وتخزينه.

عصر الطاقة الهيدروجينية

ويبدو أن تقنيات تقليل انبعاثات الكربون ستصبح أحد الأهداف الأكثر فعالية لبرامج التحفيز الاقتصادي في مرحلة ما بعد كوفيد-19، في ظل تركيز صانعي السياسات الاقتصادية على قطاعات الطاقة النظيفة الأكثر تطورًا من الوقود الأحفوري من حيث القابلية للإنتاج والتكلفة المادية.

وتوصل خبراء في دراسة نشرتها جامعة أوكسفورد البريطانية، في 4 مايو/أيار 2020، إلى أن الحكومات تستطيع مساعدة قطاع الطاقة النظيفة من خلال بناء شبكات النقل الكهربائي وإصلاح أسواق الطاقة لتقليل مزايا الوقود الأحفوري، وسيتولى القطاع الخاص مسألة التمويل والبناء.

وركزت الدراسة أيضًا، على قطاع بطاريات أيون الليثيوم، الذي يتطور تدريجيًا وسط توقعات بتفوقه على التقنيات التقليدية في الأعوام الخمسة المقبلة، على الرغم من عدم قدرته حتى الآن على منافسة التقنيات الموجودة حاليًا، من الناحية المادية والتشغيلية.

ولكن، حتى لو ألغى قطاعا توليد الطاقة والسيارات الكهربائية أي انبعاثات كربونية بشكل كامل، فإنهما سيكونان قد أوقفا نصف الانبعاثات العالمية فقط، في حين أن الزراعة مسؤولة عن 25% منها، أما الـ 25% الباقية من الانبعاثات فتأتي من الصناعة وهي المكان القادر على إحداث التأثير الكبير.

الطاقة الهيدروجينية

وأشارت الدراسة إلى أن قطاع الطاقة الهيدروجينية هو المالك الأكبر للإمكانيات، وتوقع الخبراء بمستقبل واعد للقطاع ودخوله في صناعات عدة؛ منها الصلب والإسمنت والآليات الثقيلة، وإذا استطعنا تخزينها سنوفر طاقة احتياطية للشبكات الكهربائية.

ويتوقع الخبراء تلبية الهيدروجين لربع احتياجات العالم من الطاقة بحلول العام 2050 بحجم مبيعات يتراوح بين 200 و700 مليار دولار، أي نحو نصف قيمة سوق النفط الحالية، وتتجسد العقبة الوحيدة في حجم الطاقة اللازم لإنتاج الهيدروجين والمقدر بنحو 31320 تيراواط ساعي من الطاقة الكهربائية، في حين أن الإنتاج العالمي من الطاقة الكهربائية في العام 2019 بلغ 26 ألف تيراواط ساعي معظمها أتى من طاقات غير متجددة؛ وفقًا لصحيفة بلومبيرج الاقتصادية الأمريكية.

دعم حكومي

وتستطيع الحكومات دعم القطاع من خلال تقديم إعانات يقدرها الخبراء بمبلغ 150 مليار دولار كجزء ضئيل من الحزم التحفيزية الاقتصادية، لتخفيف تكاليف الطاقة الهيدروجينية إلى ما دون تكاليف الوقود الأحفوري. ومن خلال تشريعات تجبر صناعات الصلب والإسمنت والآليات الثقيلة على التحول التدريجي نحو الطاقة الهيدروجينية، وفي حال نجاح التشريعات في تحقيق انخفاض في التكاليف وزيادة في الطلب فقد تنتقل الطاقة الهيدروجينية إلى مجالات أخرى؛ مثل صناعة الأسمدة وتخزين الطاقة الكهربائية.

ولحل مشكلات التخزين، صمم فريق بحثي من جامعة نورث وسترن الأمريكية، وصنعَ موادًا جديدة هجينة من مزيج معدني وعضوي، تمتاز بمسامية فائقة وقدرة فريدة على تخزين الهيدروجين والميثان، ما يساعد في تعزيز التحول إلى الجيل المقبل من المركبات الخضراء، والاستغناء عن مشتقات الوقود الأحفوري المضر بالبيئة.

وتخزن المواد الجديدة كمية كبيرة من الهيدروجين والميثان، من المواد الممتزة التقليدية، عند درجات ضغط أكثر أمانًا وبتكاليف أقل بكثير؛ وقال الباحث عمر فرحة، قائد الفريق البحثي «طورنا طريقة تخزين أفضل لغازي الهيدروجين والميثان من أجل مركبات الطاقة النظيفة المستقبلية. مستخدمين المبادئ الكيميائية لتصميم مواد مسامية بترتيب ذري دقيق ما يحقق مسامية فائقة» وصمم الفريق البحثي الأطر فائقة المسامية، المسماة إن يو 1501، من جزيئات عضوية وأيونات أو مجموعات معدنية تتجمع ذاتيًا، لتشكيل أطرًا متعددة الأبعاد، بلورية جدًا ومسامية.

والممتزات؛ مواد صلبة مسامية، تربط الجزيئات السائلة أو الغازية بسطحها. وبفضل مساماتها النانوية، تعادل عينة من جرام واحد من هذه المادة (بحجم قطعتين نقديتين) مساحة سطحية تغطي 1.3 ملعب كرة قدم.

وقال فرحة، الأستاذ المشارك في قسم الكيمياء، في كلية وينبرج للفنون والعلوم، والعضو في معهد نورث وسترن الدولي لتقنية النانو، إن «المواد الجديدة قد تشكل قفزة كبيرة في مجال تخزين الغاز عمومًا، إذ تتطلب صناعات وتطبيقات عديدة، استخدام الغازات المضغوطة؛ من الأكسجين والهيدروجين والميثان وغيرها.»

وتحتاج المركبات العاملة بالهيدروجين والميثان حاليًا، إلى ضغط عال، إذ أن ضغط خزان الهيدروجين أكبر 300 مرة من الضغط الموجود في إطارات السيارات. إلا أن تكلفة الوصول إلى ضغط عال مرتفعة، بسبب انخفاض كثافة الهيدروجين، ويبقى الوصول إليه خطر لأن الغاز سريع الاشتعال. وقد يساعد تطوير مواد ممتزة جديدة، قادرة على تخزين الهيدروجين والميثان عند درجات ضغط منخفضة، في الوصول إلى تطوير الجيل المقبل من سيارات الطاقة النظيفة.

اهتمام عالمي

وشهدت الشهور الأخيرة اهتمامًا متناميًا بوقود الهيدروجين، وتطوير مركبات تعمل به، إذ عمدت شركات سيارات كبرى إلى إطلاق مركبات تعتمد على هذا الوقود المراعي للبيئة، بالتوازي مع جهود من حكومات عدة لتهيئة بنًى تحتية داعمة للاعتماد عليه ليكون بديلًا لمشتقات الوقود الأحفوري المضر بالبيئة.

وفي هذا الإطار؛ طرحت شركة بي إم دبليو الألمانية، حديثًا، سيارة صديقة للبيئة من طراز إكس5، بمحرك كهربائي تبلغ قوته 125 كيلوواط/170 حصانًا، يستمد طاقته من خلية وقود هيدروجينية. وتخزن السيارة الجديدة وقود الهيدروجين في خزانَي ضغط عالٍ، بسعة تبلغ 6 كيلوجرامات من الهيدروجين، يُعاد ملؤهما في 4 دقائق. ويدعم المحرك بطارية ليثيوم أيون، لتوفير مزيد من القدرة عند إجراء مناورات التخطي. وتعتزم الشركة إصدار نسخ محدودة من السيارة الجديدة في العام 2022.

وأعلنت شركة نيكولا الأمريكية الناشئة المتخصصة بصناعة السيارات الكهربائية، أيضًا، منتصف فبراير/شباط 2020، عن إطلاق شاحنتها الهجينة الجديدة، بادجر 2021، العاملة بالبطاريات الكهربائية ووقود الهيدروجين، في سبتمبر/أيلول 2020. وتتمتع بادجر بمحرك قوي يتيح لها السير لمسافات طويلة، على نحو غير معتاد في السيارات الكهربائية، مع القدرة على التسارع من صفر حتى أكثر من 95 كيلومترًا في الساعة، خلال 2.9 ثانية فقط، والسير لنطاق يصل إلى أكثر من 965 كيلومتر. ومن المقرر أن تزود الشركة، الشاحنة الجديدة، ببطاريات متطورة بسعة 500 و750 و1000 كيلوواط، قادرة على تشغيل المحركات الكهربائية لنقل المركبات لمسافات تتراوح بين 900 و1200 كيلومتر، فضلًا عن أنظمة توجيه خاصة. ولم تعلن الشركة عن السعر النهائي للشاحنة الجديدة. فضلًا عن إمكانية تزويدها بوقود الهيدروجين.

البنى التحتية

وتخطط الشركة، التي تتخذ من ولاية أريزونا مقرًا لها، تشييد المئات من محطات شحن وقود الهيدروجين للمساعدة في دعم أعمالها وخدمة سياراتها؛ وقال مارك راسل، رئيس مجلس إدارة الشركة، إن «برنامج الشركة سيساعد في خفض تكلفة مكونات خلايا الوقود في شاحناتنا النصفية، وسيسرع في الوقت ذاته، من عملية بدء تشغيل محطات الهيدروجين، وسيضمن منح العملاء خيار طلب الإصدار المشتمل على خلية الوقود أو الذي يعمل بالبطارية الكهربائية، خفض التكلفة على جميع الأطراف في مختلف إصدارتنا.»

والهيدروجين عنصر أساس في الانتقال نحو الطاقة المتجددة على مستوى العالم، وأحد أنواع الوقود البديلة الواعدة لتطبيقات الطاقة المستقبلية، ومصدر بديل خالٍ من ثاني أكسيد الكربون، وينتج عن طريق تقسيم الماء بالطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح. وهو ناقل طاقة قابل للتخزين بكميات كبيرة والنقل لمسافات طويلة، ومادة خام لعديد من التطبيقات الصناعية.

وليس الحديث عن إنتاج الوقود الهيدروجيني بأمر جديد، وكان من المفترض أن تكون خلايا الوقود الهيدروجيني أهم اختراع في العصر الحديث، ووصل الحديث عنها إلى ذروته خلال أزمة الغاز في سبعينيات القرن الماضي، لتكون مصدرًا للطاقة النظيفة لتشغيل السيارات والمحطات الكهربائية، لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة، لأن إنتاجه مكلف جدًا. ونتيجة لذلك، اقتصر الوقود الهيدروجيني غالبًا على المختبرات، مع محاولات خجولة يسعى المهندسون من خلالها استخدامه لصنع مركبات ومولدات احتياطية تعمل بالطاقة الهيدروجينية لم تنتشر على نطاق واسع.

مشكلات التخزين

رحب كثير من المتخصصين وأنصار البيئة باستخدام غاز الهيدروجين كوقود صديق للبيئة لفترة من الوقت، ولكن اقتصر استخدامه على نطاق ضيق لأسباب عملية؛ لأن استخدامه يتطلب ضغطه في خزانات كبيرة وهذا يجعل نقله وتخزينه أمرًا صعبًا.

وفي ختام العام 2015 لم يكن في ولاية كاليفورنيا الأمريكية -مثلًا- سوى عشر محطات وقود هيدروجيني مفتوحة، وتشهد مشاريع محطات الهيدروجين في الطرق السريعة في أوروبا الغربية والدول الإسكندنافية تباطؤًا مماثلاً، ولا يوجد سوى بضع عشرات من السائقين في الولايات المتحدة يستخدمون سيارات خلايا الوقود الهيدروجيني. ومن هنا تبرز أهمية الأبحاث والمشروعات الحديثة لتطوير القطاع.

تجارب عربية طموحة

وعربيًا؛ تعتزم سلطنة عُمان، أيضًا، إنشاء أول محطة هيدروجين أخضر، في منطقة الدقم على الساحل الشرقي للبلاد، في إطار خطةٍ لتنويع مصادر الطاقة وتقليل انبعاثات الكربون وتأمين حاجة البلاد من الهيدروجين ومشتقاته؛ مثل الميثانول والأمونيا، وتصدير الفائض.

وتعتزم أرامكو؛ عملاق النفط السعودي، إنشاء أول محطة هيدروجين لتعبئة مركبات خلايا الوقود الهيدروجيني، في المملكة العربية السعودية.

وتعتزم المملكة أيضًا، إطلاق مشروع ضخم لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره بقيمة 5 مليارات دولار، في منطقة نيوم المستدامة المستقبلية شمال غرب البلاد. ووقعت شركة نيوم حديثًا، اتفاقية شراكة مع شركة إير بروداكتس وشركة أكوا باور، لبناء المنشأة وإنتاج الهيدروجين بطريقة تراعي البيئة، وتصديره إلى السوق العالمية، لتوفير حلول مستدامة لقطاع النقل العالمي ولمواجهة تحديات التغير المناخي، من خلال حلول عملية لتخفيض الانبعاثات الكربونية. ويُرجَّح أن يصبح المشروع جاهزًا لإنتاج الهيدروجين وتصديره، بحلول العام 2025، ليُستخدَم كوقود حيوي يغذي أنظمة النقل والمواصلات عالميًا؛ بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 650 طنًا من الهيدروجين الأخضر يوميًا، و1.2 مليون طن من الأمونيا الخضراء سنويًا.