في البداية كانت العجلة

أول سيارة تقوم برحلة طويلة (96 كم) وقادتها بيرثا بينز، زوجة مخترعها: كارل بينز
أول سيارة تقوم برحلة طويلة (96 كم) وقادتها بيرثا بينز، زوجة مخترعها: كارل بينز

كانت "العجلة" ذات دورٍ كبيرٍ في تغيير طريقة حياة الإنسان، كما الزراعة، التي سمحت له بالاستقرار في مكان محددٍ وبدء حياة "مدنيّة"، مهّدت العجلة لتطوّر كبيرٍ في المجتمعات البشرية، من حيث السياسة والاقتصاد وخلقت نوعاً جديداً من التنقل، وقصّرت بذلك المسافات والتكاليف والوقت المستهلك للسفر، ووصلت بين المشرق والمغرب.

تطوّرت صناعة السيارات مع تقدّم العلم والتكنولوجيا، واستولت السيارات على الطرق في جميع أنحاء العالم، وككل تقنيّة موجودةٍ اليوم، للسيارات محاسن عديدة ومساوئ أيضاً.

فالكثير من الوفيات التي تحدث في العالم يومياً تحدث بسبب السيارات، حيث يصل عدد الوفيات إلى 3,287 شخصٍ يومياً، والموت بسبب حادث سير يحتلّ المرتبة التاسعة من أسباب الموت الشائعة. وعلينا ألّا ننسى التكلفة الباهظة لهذه الحوادث، حيث تكلف أكثر من 500 مليار دولارٍ سنوياً على مستوى العالم، بالإضافة لملايين الإصابات والإعاقات سنوياً، وإن لم يتمّ تدارك الأمر من قبل الحكومات والشعوب، فإنّ حوادث السير ستنتقل من المرتبة التاسعة إلى المرتبة الخامسة من مسببات الموت الأكثر شيوعاً. بالإضافة إلى كل تلك الأرقام، وربما الرقم الأهم هو أنّ 90% من هذه الحوادث تحدث بسبب "الخطأ البشري".

ومن هنا بدأت فكرة البحث عما يسهل حياة الأشخاص، وحتى يقلل كمية الحوادث اليوميّة التي تحدث بسبب مثل هذه الأخطاء.
كثير من الشركات – مرسيدس وبي إم دبليو- بدأت منذ أواخر التسعينات بدراسة هذه الفكرة وتطبيقها، لكن مع انتشار الذكاء الاصطناعي الآن وتطوّره فإنّ الفكرة تبدو أقرب إلى الواقع، أو واقعيةً فعلاً في هذا العقد.

ولكن ما المقصود بنظام القيادة الذاتيّة، ولماذا نختارها عوضاً عن نموذجنا الحالي؟

ست درجات من العمق

سيارة جوجل الذكية
سيارة جوجل الذكية

في مقاله، يشرح كارل براور -كاتب ومحلل في مجال السيارات- الدرجات الست للسيارات ذاتية القيادة، فحسب الإدارة الوطنية الأمريكيّة لسلامة المرور على الطرق السريعة، تُقسم درجات القيادة الذاتية إلى درجات تبدأ بالدرجة 0 وتنتهي بالدرجة 5. في الدرجة 0، وكما يتضح من اسمها، لا تقدم السيارة أيّ دعم أو مساعد للسائق، أما في الدرجة 1 فإنّ هناك على أقل نظاماً أو عدة أنظمة تساعد السائق أثناء القيادة، مثل مثبت السرعة، ولكن هذه الأنظمة المختلفة لا تتصل ببعضها البعض. في الدرجة 2 تتصل هذه الأنظمة لتعاون بعضها في مساعد السائق، أي أنّ السائق مازال يمتلك السيطرة الكاملة، ويُطلب منه الحذر الكامل والانتباه الشامل أثناء القيادة.

تدمج الدرجة 3 أكثر من خدمة مؤتمةً في الوقت ذاته وتسمح بالقيادة الذاتية للسيارة لفترات زمنيّة مطوّلة. الانتقال من هذه الدرجة من التحكم الآلي والعودة للتحكم البشري يستغرق وقتاً يصل إلى 10 ثوانٍ تقريباً. وتشابه الدرجة 4 سابقتها لكن تستطيع السيارة الآن في هذه المرحلة اتخاذ القرار للابتعاد وحماية راكبها من الأذى، حتى لو يستجب السائق.

أما الدرجة الأخيرة 5 فتعني أن السيارة ذاتية القيادة تستطيع أن تقوم بجميع وظائف القيادة حتى بدون وجود سائق داخلها.

وحتى الآن لا توجد لوائح قانونيّة مخصصة لقوانين القيادة الذاتيّة والسيارات، وتعتبر هذه إحدى المشاكل الكبيرة التي تواجه هذه التقنيّة حالياً، ولكن يوجد بعض المصاعب الأخرى أيضاً.

الخرائط الدقيقة

مازالت الخرائط التي نستطيع توفيرها اليوم غير قادرة على الوصول للدقة المطلوبة للدرجة الأخيرة من القيادة الذاتيّة، فنحن بحاجة للوصول لدقة تصل إلى 10-20 سنتيمتراً، لتعرف السيارة مكانها بالضبط مقارنةً بالسيارات الأخرى، وخطوط المساق الذي تسير فيه، ورصيف المشاة. هذا كلّه من الأهميّة بمكان، فعند الوصول إلى هذه المرحلة من الدقة، ستستطيع السيارة إبلاغ سائقها قبل 10 ثوان (المدة المطلوبة لنقل التحكم من نظام القيادة الذاتيّة إلى السائق) عند الوصول لمنطقةٍ يحتاج أن يدير السيارة فيها بشكلٍ يدوي. وبالفعل فإن شركات السيارات مثل أودي وبي إم دبليو تقوم بتطوير نظام نوكيا لرسم الخرائط الإلكترونية بعد أن استحوذت عليه، وكذلك تعمل جوجل للوصول بخرائطها إلى مستوى 10 سنتمترات من الدقة.

الاختراق الإلكتروني

حتى الآن لا خطر على سيارتك من الاختراق الإلكتروني، ولكن في المستقبل فإنّ هذا سيكون مبدئياً على الأقل، مجرّد اختراق عادي، مشابه لاختراق الهاتف الذكي أو الحاسوب، لذلك فإن صانعي السيارة الذكية يحاولون من الآن أن يجدوا حلولاً لتلك المشاكل والحفاظ على الأمن الإلكتروني لسيارة المستقبل ذاتية القيادة.

سيارات ذكية في مدينة ذكيّة

لن تستطيع السيارات الذكية ذاتية القيادة أن تسير في شوارعنا اليوم بدرجة 5 بشكل مباشر، فنحن بحاجة إلى بنيّة تحتية تدعم هذه التقنية وتدفع بتطويرها إلى الأمام، كما علينا تطوير شبكات مرور ذكية وحديثة تمكّن السيارات من الاتصال بها والحصول على معلومات كافية للسير في شوارعها. ولن تكتفي السيارات بمعالجة المعلومات فقط، فالذكاء الاصطناعي الخاص بها قادر على التعلم، وتبادل البيانات مع السيارات الذكية الأخرى، وحتى المحاكاة الحاسوبية. فبالمحاكاة تستطيع السيارة أن تدرس جميع الاحتمالات الممكنة للسير خلال شارع معين وتعرضها لسيناريوهات مختلفة، وبعد المحاكاة المتكررة تستطيع اختيار السلوك الأمثل، كل ذلك يجري في ثوانٍ قليلة، وهو مشابه لما قام به ألفاجو، الذي هزم أحد أفضل لاعبي لعبة جو في العالم.

في المستقبل لن تملك سيارة

يعتقد الكثيرون أننا ربما نكون آخر جيل "يتملك" السيارات حقاً، وأن ذلك سيصبح شيئاً غير ضروري في المستقبل، حيث ستخرج من المنزل وتطلب إحدى السيارات الذاتية القيادة القريبة منك، والتي توصلك من النقطة أ إلى النقطة بدون أي تدخل منك، فقط ادخل المكان الذي تريد التوجه إليه.

وربما تستخدم هذه السيارات فكرة المشاركة أيضاً، فتستطيع السيارة نقل أكثر من شخصٍ معاً في نفس الرحلة، مما يخفض التكاليف المصروفة في الرحلة الواحدة. ويقول أحدهم "سيصبح تملك السيارات مثل تملك الخيل، فأنت لا تحتاجه حقاً."

ستخفض هذه التقنية الحوادث، وتساعد في تقليل الانبعاثات الكربونية، وبمساعدة المدن الذكية ستصبح الطرقات أقل ازدحاماً بسبب الأتمتة المسبقة للرحلات، وربما لن نتنظر كثيراً لرؤية كل ذلك يتحقق.

2020-2030

يعتقد إيلون ماسك، صاحب سبيس إكس وتسلا، أنّ سيارة بنظام القيادة الذاتي ستكون متوفرةً بشكل تجاري في 2018، ورغم أنّ ذلك التاريخ قريب جداً، إلا أنّه قد يكون محقاً.

فقد بدأت اختبارات هذه التقنية بالفعل في أماكن مختلفة في العالم، فها هي مرسيدس تجرب حافلةً ذاتيّة القيادة في هولندا، وقد نجحت في قطع مسافةٍ تصل إلى 20 كم بدون تدخل بشريّ على الإطلاق، فهي تستخدم عدة كاميرات وحساسات ورادارات، إضافةً إلى الاتصال بشبكة المدينة للتعرف على إشارات المرور والخرائط الدقيقة للمدينة.

وتستعد الولايات المتحدة لإطلاق مجموعة من القوانين الفيدرالية فيما يخص السيارات ذاتية القيادة قريباً، وقد قامت سيارات جوجل الذكية بالسير لمسافة 2,5 مليون كيلومتر، دون أي حوادث خطيرة.

وتعد سنغافورة بدورها العالم بتسيير أول تكسي ذاتي القيادة خلال العام المقبل في شوارعها، وربما تٌسيّرها أيضاً بالطاقة الكهربائية.

أما دبي فقد أطلقت استراتيجيتها للتنقل الذكي، والتي تهدف إلى تحويل 25% من إجمالي رحلات التنقل في دبي إلى رحلات ذاتية القيادة بدون سائق من خلال وسائل المواصلات المختلفة بحلول عام 2030.

ويعتقد أنّ هذه الاستراتيجية ستؤدي لوفورات وعوائد اقتصادية تصل إلى 22 مليار درهم (ما يقارب 6 مليارات دولار) وذلك من خلال تقليل تكاليف التنقل بنسبة 44 بالمائة بما يساوي 900 مليون درهم كما سيتم توفير 1.5 مليار درهم عبر خفض التلوث البيئي بنسبة 12%. وتهدف الاستراتيجية كذلك إلى الحد من الحوادث المرورية والخسائر الناجمة عنها بنسبة 12% وبما يوفر 2 مليار درهم سنوياً كما أنها تسهم في رفع إنتاجية الأفراد بنسبة 13% عبر تجنب هدر 396 مليون ساعة على الطرقات سنويا كما أنها تسهم في تقليل الحاجة للبنية التحتية للمواقف بنسبة تصل إلى 20%.

قد نكون فعلاً آخر جيلٍ يعايش "حوادث طرق السير" والأضرار الناتجة عنه، وربما نستذكر معاً الأيام التي قضيناها خلف المقود في توتر وقلق أثناء انتظار الإشارات المرورية بألوانها الثلاثة، وربما نشعر بالتعجب من الوقت المُهدر على الطرقات والذي سنستغله عوضاً عن ذلك بزيادة الإنتاجية والراحة لنا.

السؤال الأهم هو: هل البشر مستعدون فعلاً للركوب في سيارةٍ يقودها حاسوب؟ قد يكون الجواب الآن هو "ربما"، لكن أعتقد أنّ ذلك سيتغير خلال الأعوام الأربع القادمة إلى "بالتأكيد!"
المستقبل فعلاً أقرب مما كنا نعتقد، ويجب علينا أن نساهم في بنائه!