التداوي بالملح

يبدو أنّ المناجم الملحيّة المهجورة في أوروبا الشرقية -التي كانت مخصّصة لاستخراج المعادن- تخدم أهدافًا جديدةً اليوم، إذ يقصدها آلاف البشر في سبيل التداوي بالملح. تقع مناجم الملح القديمة جنوب مينسك قرب مدينة ساليهورسك في بيلاروسيا بعمق 425 مترًا تحت سطح الأرض، وأصبحت الآن هدفًا للسياحة الطبّية. يزور أكثر من سبعة آلاف بالغ وطفل عيادة المداواة الكهفية الجمهورية سنويًّا أملًا في علاج الأمراض التنفّسية.

ويصل عمق منجم بريد الملحي إلى 160 مترًا تقريبًا، ويقع على بعد 356 كيلومترًا شمال مدينة بخارست، وهو من أكثر المناجم التي يقصدها الزوّار المصابون بالربو والتهاب القصبات في سبيل الحصول على العلاج الطبيعي.

ولأنّ الأمريكيّين لا يحبّون تضييع الفرص، قلّدوا تجربة التداوي بالملح من خلال تجهيز مراكز الشفاء في أنحاء البلاد بأسرّة وحجرات وغرف ملحيّة، وصمّموا جلسات يوغا ملحيّة أيضًا. بل تستطيع الجلوس أيضًا في حجرة ملحيّة صغيرة بإضاءة ملوّنة في طريق ساكس فيفث أفينيو في مدينة نيويورك. لكنّ السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: هل تقدم أيٌّ من هذه الأساليب العلاجية فائدة فعلًا؟

منجم بريد الملحي في رومانيا. «حقوق الصورة: أوكتاف دروتا/ويكي كومونز.»
منجم بريد الملحي في رومانيا. «حقوق الصورة: أوكتاف دروتا/ويكي كومونز.»

تعتمد المداوة في حجّتها بأنّ تراكيز الملح المرتفعة تبقي هواء المناجم نظيفًا من الجراثيم والمواد المسبّبة للحساسيّة «المستأرجات.» وتحافظ أيضًا على مستويات رطوبة وحرارة ثابتة، وتوفّر ضغطًا جوِّيًا مرتفعًا وهواءً مشحونًا بالشوارد أكثر من سطح الأرض. وتكتسب الحُجَّة قوّتها جزئيًّا من الأدوية المذيبة للمخاط «مذيبات البلغم،» التي أقرّت منظمة الغذاء والدواء الأمريكية استخدامها لترقيق البلغم المخاطي في الرئة؛ إذ تتمتّع هذه الأدوية بتركيب شديد الملوحة وبماء معقَّم والذي يُستنشَق كرذاذ. فهل يعمل الملح في المناجم وحجرات النيون بنفس طريقة الأدوية المذيبة للبلغم.

علوم زائفة.. حتّى الآن

إلى وقتنا الحالي، فإنّ الأبحاث في هذا المجال محدودة، وأجري معظمها خارج الولايات المتّحدة الأمريكيّة. لا توجد حتّى الآن دراسات تدعم القول بأنّ المناجم والكهوف الملحيّة تعالج أعراض الأمراض التنفّسية بنجاح. أظهرت دراسة واحدة أنّ استنشاق المحلول الملحي فائق التوتّر كان فعَّالًا وآمنا لمعالجة داء التكيّف الليفي. إلّا أنّه لم تُجرَى أيّ أبحاث مقارنة داخل المناجم والحجرات الملحيّة، لذا فإنّ إسقاط نتائج هذه الدراسة اليتمية على غيرها من الظروف يبدو غير منطقي مطلقًا.

وأظهرت إحدى الدراسات عدم تحسّن السبل التنفّسية لدى المرضى، لكنّهم استمتعوا بجلسات العلاج في مقابل الأمر. وأظهرت دراسة أخرى تحسّن الأعراض التنفّسية، إضافة إلى فوائد أخرى كالنوم الأفضل وتحسّن المزاج، وتقترح النتائج في مضمونها تأثير الدواء الغفل «البلاسيبو» على المرضى. وألّف باحثون عام 2014 مراجعة منهجيّة وتحليلًا منهجيًّا لأكثر من 150 دراسة تركّز على كفاء التداوي بالملح من خلال استنشاق قطرات ملحيّة شحمية معيّنة، كما يحدث داخل الكهوف وكأن سكّان الكهوف يعانون من الداء الرئوي الساد المزمن.

في المقابل، فإنّ الدراسات تبيّن أنّ تجارب التداوي في الكهف لا تحمل أخطارًا أبدًا طالما تجنّب المرضى استنشاق الملح بتراكيز عالية وهو أمر شبه مستحيل حتّى إن كان في منجم معادن. إنّ النصف الممتلئ من الكأس يخبرنا بأنّ المرضى يستمتعون بتجربة التداوي بالملح، وقد يحسّن ذلك حالة المرضى العامّة. وحتّى الآن، لا يوجد دليل على كفاءة التداوي بالأملاح أكثر من ذلك، لكنّها آمنة أيضًا طالما لم يهمل المرضى أدويتهم اليوميّة والمعتادة ويستبدلون بها جلسات التداوي بأملاح المناجم.