التحدث دون كلام

تخيل أنك تعيش في عالم لا حاجة فيه للتواصل اللفظي، وضمن مجتمع يكون التخاطر فيه هو الأسلوب المعتمد، فيتحدث الناس فيه مع بعضهم البعض عبر أفكارهم فقط.

ويدرس العلماء منذ فترة طويلة إمكانيات التخاطر عند البشر، ويبدو أن أحلامهم قد تصبح حقيقة خلال عام تقريباً، بعد حدوث تطورات تقنية كبيرة توصل إليها العلماء من خلال التجارب الأخيرة على الحيوانات.

ففي إحدى الدراسات، ربط ثلاثة قرود بواسطة زرعات الدماغ المنفردة، ووضع كل منهم في غرفة منفصلة. وأتيح لهم تنفيذ مهمة التحكم بذراع افتراضية على الشاشة، لكن لا يمكنهم تنفيذ هذه المهمة بنجاح إلا إذا عملوا سوياً، واستطاعوا فعل ذلك نهاية الأمر. ووفقاً للمؤلف الرئيس للدراسة ميغيل نيكوليلس: «عمل القرود على مزامنة أدمغتهم، وأنجزوا المهمة عبر إنشاء دماغ فائق، وهو الهيكل الذي يجمع الأدمغة الثلاثة معاً.»

حقوق الصورة: جامعة واشنطن
حقوق الصورة: جامعة واشنطن

وفي تجربة أخرى اختبر تزامن الأدمغة عند أربعة فئران، وحصل العلماء على نتائج مماثلة. وبعد 10 تجارب، وجد العلماء بأن الفئران تمكنت من التفكير كفأر واحد في 61% من الوقت. وأصبحت أكثر دقة في حل المشكلات البسيطة عندما تم ربط أدمغتها.

وركزت الأبحاث في الآونة الأخيرة على البشر. ففي إحدى الدراسات، أدخل الباحثون شخصين إلى غرفتين منفصلتين، وطلبوا منهما لعب لعبة مؤلفة من 20 سؤالاً على الحاسوب باستخدام عقليهما فقط. ونقلوا الإجابات «نعم» أو «لا» بمساعدة جهاز التخطيط الكهربائي للمخ، والذي تتبّع نشاط الدماغ عند أحد الشخصين وتسبّب بحدوث تيار كهربائي في دماغ الشخص الآخر.

مستقبل التواصل الدماغي

ويتوقع أن يستمر السعي إلى رفع مستوى تلك الأبحاث وصولاً إلى الكشف عن عمليات التفكير الفردية. وجعل هذه الأفكار تنتقل إلى شخص آخر، للتأثير على القرارات التي يتخذها.

وقد يكون هذا التغير كبيراً للأشخاص الذين يعانون من الشلل والحالات المرضية الأخرى والتي تمنعهم من أداء المهام الجسدية. فمثلاً يؤدي – أي مزامنة عدة أدمغة لتعمل كحاسوب عضوي، إلى فتح المجال أمام الناس لتلقي المساعدة من الآخرين أثناء تعلمهم كيفية استخدام الهيكل الخارجي لاستعادة الحركة.

ويذكر بأنه من الصعب جداً في الوقت الراهن ابتكار جهاز يحاكي التخاطر بصورة تامة. فالأدمغة فريدة من نوعها، وكل شخص يفكر بطريقة مختلفة، وتتأثر أفكارنا بذاكرتنا وخبراتنا الخاصة. فضلاً عن أن أنماط الدماغ الناجمة تجعل من الصعب على علماء الأعصاب تطوير التواصل بواسطة الأدمغة، لكن في حال تمكنوا من كشف أنماط التفكير للفرد، سيؤدي ذلك إلى استخدام نشاط دماغ شخص آخر لتحفيز هذه الأفكار.