نحتاج جميعًا إلى الماء العذب إلا أن العالم يعاني حاليًا من ندرة المياه العذبة، فنحو 20% من سكان العالم يجدون صعوبة في الحصول على مصدر لها، وفق أرقام الأمم المتحدة، وهي أزمة ستتفاقم مستقبلًا بسبب النمو السكاني المضطرد. وكي نواجه هذه المشكلة علينا ابتكار وسائل جديدة للحصول على المياه، ومنها استخلاصها من رطوبة الهواء مباشرة، وهي فكرة استلهمها العلماء من بعض الكائنات الحية مثل خنفساء الصحراء الناميبية.

تعيش هذه الخنفساء في صحراء قاحلة، وكي تحافظ على حياتها في هذه الظروف القاسية، تعتمد على وسيلة فعالة للحصول على الماء، فهي تكثف قطرات الماء من الهواء على ظهرها وتنقلها بعد ذلك إلى فمها.

فحص العلماء ظهرها فوجدوا أنه مغطى بالنتوءات والتجاويف. وحاول هانتر كينج، عالم الفيزياء في جامعة أكرون، معرفة دور هذه النتوءات في زيادة كمية المياه المستخلصة، فصمم سطحًا مشابهًا به نتوءات وتجاويف باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد ووجد أن معدل تكاثف بخار الماء عليه أكبر من السطح الأملس بمرتين ونصف.

وتستغل شركات عديدة هذه التقنية لاستخلاص كميات جيدة من المياه من الهواء في المناطق التي تعاني من ندرة المياه العذبة، مثل شركة درينكابل إير في ولاية فلوريدا الأمريكية. وتعتمد الشركة على ضخ الهواء نحو سطح بارد، يعمل مكثفًا لبخار الماء الموجود في الهواء ويحوله إلى قطرات سائلة، ويمر الماء بعد ذلك على مرشحات تنقي الماء من الشوائب وتجعله صالحًا للشرب.

صممت الشركة أنظمة عديدة بعضها صغير ينتج نحو عشرة لترات من الماء يوميًا وبعضها ضخم ينتج آلاف اللترات يوميًا ما قد يساعد في سد حاجة بعض القرى من المياه العذبة. وتستخدم نحو 38 دولة في مختلف بقاع العالم أنظمة هذه الشركة، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي.

وطور باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية تقنية تسمى حصاد الندى تعتمد على تبريد الهواء فيتكاثف بخار الماء الموجود فيه ويتحول إلى قطرات ماء تُجمَع للاستفادة منها، وتستخدم في هذه التقنية رقاقة مسطحة تشع الحرارة ليلًا ما يؤدي إلى انخفاض حرارتها وتبريد الهواء الملاصق لها، وعنما تصل درجة حرارته إلى الدرجة المناسبة لتكوين الندى يتكثف بخار الماء عليها ويتحول إلى قطرات ماء. وبدأت بعض الشركات الناشئة، مثل شركة زيرو ماس ووتر، في استخدام هذه التقنية وتطوير أجهزة تعتمد عليها.

وتعتمد شركة ووتر فروم إير من جنوب إفريقيا على تقنية التبريد أيضًا لاستخلاص الماء من الهواء. ويستطيع الجهاز الذي طورته الشركة إنتاج نحو 32 لتر من المياه يوميًا.

تحتاج التقنيات السابقة إلى مستوى عالٍ من الرطوبة لإنتاج المياه، ويمثل كذلك مشكلةً كبيرة في البيئات الجافة ولذا طور باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية وسيلةً جديدة لاستخلاص المياه من هواء أكثر مناطق العالم جفافًا التي تقل فيها نسبة الرطوبة عن 20%.

وتعتمد التقنية الجديدة على استخدام مواد تسمى الهياكل المعدنية العضوية. ويتكون الجهاز من بلورات الهياكل المعدنية العضوية المضغوطة أسفل لوح شمسي بالإضافة إلى مكثف للمياه. وعندنا يمر الهواء حول هذه البلورات تعلق جزيئات بخار الماء فيها وتؤدي أشعة الشمس التي يلتقطها اللوح الشمسي إلى ارتفاع درجة حرارة الهياكل المعدنية العضوية فيتجه بخار الماء نحو المكثف منخفض الحرارة فيتكثف ويتحول إلى مياه سائلة. وينتج هذا الجهاز 5.6 لترات من المياه يوميًا باستخدام كيلوجرام من الهياكل المعدنية العضوية وعند نسبة رطوبة تقل عن 20%.

وتتمتع هذه التقنية بانخفاض تكاليفها وعدم حاجتها سوى إلى الطاقة الشمسية. ويرى العلماء، الذين نشروا نتائجهم في دورية ساينس، أن زيادة فاعلية هذا الجهاز ممكنة من خلال تطوير الهياكل المعدنية العضوية.