لغة عالمية

تُظهر الأبحاث الجديدة بأن البكتيريا تتواصل بواسطة وسائل لم تخطر لنا على بال. فمن المعروف بأن البكتيريا تتواصل بواسطة الإشارات الكيميائية من خلال ظاهرة تدعى إدراك النِّصاب. وهي تنسق من خلال استخدام هذه اللغة الكيميائية عمليات الهجوم والدفاع. وأظهرت الأبحاث التي تدرس سلوك البكتيريا بأنها لا تتواصل مع أفراد النوع ذاته فحسب من خلال هذه الآلية، بل تتواصل أيضاً مع الأنواع الأخرى من البكتيريا بواسطة الإشارات الكهربائية.

وبينما كان الباحث جينتاو ليو يدرس الأغشية الحيوية - وهي الأغلفة العضوية التي تفرزها المستعمرات البكتيرية وتقيم فيها - لاحظ شيئاً غريباً عن طبيعة تطور الغشاء الحيوي، وهو تمدد الغشاء في دورات مدتها ساعتين من التمدد والخمول. وأتاح هذا التمدد والتوقف ظروفاً ذات منفعة متبادلة لجميع خلاليا البكتيريا في الغشاء الحيوي. وفي حال استمرت الخلايا الخارجية بالتمدد غير المنظم، فإن الخلايا المركزية لا تحصل على ما يكفي من المواد الغذائية، مما يؤدي إلى انهيار الغلاف من المركز.

ونظراً لأن الأغشية الحيوية تشبه المدن المتنوعة وتتكون من أنواع مختلفة من البكتيريا، فقد أدرك الباحثون بأن البكتيريا تتواصل عبر الحاجز التطوري للأنواع المختلفة لتحقيق هذا النوع من التنسيق. وبما أن البكتيريا لا تستطيع التواصل بين الأنواع بواسطة إدراك النِّصاب، فلا بد من وجود شيء آخر يسمح لها بالتواصل. وعندها لاحظ عضو آخر في فريق البحث – هو آرثر برينغل - بأن البكتيريا كانت تستخدم الإشارات الكهربائية بدلاً من الكيميائية.

ومن خلال استخدام مؤشر الجوع، تمكنت البكتيريا من فتح مسام تعرف باسم القنوات الأيونية. لتحرر أيونات البوتاسيوم الموجبة عبر هذه المسام. وتدرك الخلايا المجاورة هذه الجزيئات وتفتح بدورها المسام الخاصة بها، وتحرر المزيد من الأيونات، ويستمر الأمر على هذا النحو عبر حواف الغشاء الحيوي. وتحاكي هذه العملية إثارة الخلايا العصبية. ونشرت نتائج الدراسة في مجلة نيتشر.

حقوق الصورة: ويكيميديا كومنز / Riaq25
حقوق الصورة: ويكيميديا كومنز / Riaq25

إعادة النظر في الغشاء الحيوي

وبرز اكتشاف آخر مثير للاهتمام خلال الدراسة، وهو ما حدث عندما وصل البوتاسيوم إلى حافة الغشاء الحيوي، وتابع تقدمه. فهذا يجذب مزيدًا من البكتيريا للانضمام إلى الغشاء. وتمكنت إحدى أعضاء فريق البحث - جاكلين همفريز - من استخدام الأصباغ الفلورية لتتبع البكتيريا داخل الغشاء وحوله، ولاحظت بأن الإشارات الكهربائية اجتذبت البكتيريا من أي نوع إلى الغشاء. وقالت في حديثها لمجلة ذا أتلانتيك: «لقد غيّر ذلك من وجهة نظري حول الأغشية الحيوية.»

وأبدى علماء من خارج المجموعة البحثية دهشتهم من النتائج، فقالت هيلين بلاكويل من جامعة ويسكونسن ماديسون: «هذا عمل رائع، ويعيد صياغة الطريقة التي نفهم بها التفاعلات البكتيرية وتشكّل الغشاء الحيوي. وهو ما يُظهر طريقة بسيطة وعامة لتفاعل البكتيريا المختلفة بواسطة الإشارات الكهربائية.»

وتُدرس هذه النتائج لشرح كيفية التنظيم الجيد للمستعمرات البكتيرية، كتلك الموجودة في الفم. وتأمل دراسة أخرى إظهار المدى الذي تصل هذه الإشارات إليه، وكذلك ما يحدث للبكتيريا التي تجذب إلى الغشاء. وتتساءل كارين جيبس من جامعة هارفارد إذا كان بعض هذه البكتيريا يستخدم من أجل الغذاء، وأضافت: «الأمر أشبه بصفارات الإنذار الأسطورية التي تجذب السفن إلى الشاطئ.»