بعد أن شهدنا خلال العقدين الأخيرين انتشارًا سريعًا لفيروسات لم تألفها البشرية من قبل، وتطورها السريع حتى تحولت إلى خطر يهدد بقاءنا، أصبح من الضروري تبني تحول جذري في طريقة عيشنا، وتغيير نمطنا الاستهلاكي، واعتماد اقتصاد عالمي مستدام يراعي البيئة ويحمينا من الكوارث.

ويرى خبراء أن خطورة المرحلة تفرض علينا التوقف عن إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي على حساب أولويات أخرى، مرتبطة بشكل مباشر وملح ببقاء الجنس البشري؛ ومنها ضرورة السيطرة على النمو السكاني وتقليل استهلاك الطاقة واستنزاف الموارد الأخرى.

الاكتفاء الذاتي

وقال الأستاذ الجامعي تانيجوتشي يوشيميتسو، الباحث في علم الاجتماع البيئي في جامعة أكيتا اليابانية، إن «الاضطراب الاقتصادي الحتمي الذي نشهده ونحن بانتظار تداعياته في المستقبل القريب، يتطلب التوصل إلى رؤية قائمة على التحول من نموذجنا الحالي للإنتاج الضخم والاستهلاك الشامل، إلى نموذج أكثر استدامة. وإذا سلمنا أنفسنا ببساطة للفوضى المقبلة دون أي خطة للتخفيف من حدتها، فهناك خطر أننا قد نكرر أخطاء القرن العشرين، عندما أدت الغوغائية وعدم وجود رؤية إرشادية إلى مأساة الحرب العالمية.»

وذكر يوشيميتسو، في مقال نشره موقع اليابان بالعربي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2020، إن الجائحة أدت إلى تعزيز التوجه الشعبي نحو مجتمع مستدام، برز من خلال العودة واسعة النطاق إلى عادة الطهي في المنزل، وزراعة الناس لخضرواتهم الخاصة، والزيادة الكبيرة في أعداد الأشخاص الذين يفكرون في الانتقال من المدن إلى مناطق ريفية أكثر.

وأضاف «لا أقصد أن أقترح عكس عولمة الاقتصاد التي حدثت خلال العقود الماضية تمامًا، ولكن الوقت حان بالتأكيد للتراجع عن الحركة الواسعة النطاق والسريعة للأشخاص والأشياء؛ نحن بحاجة إلى نموذج جديد لاقتصادنا، قائم على مبدأ الإنتاج والاستهلاك محليًا قدر الإمكان.. وزيادة الاكتفاء الذاتي من الغذاء.»

وتنتج اليابان -على سبيل المثال- 37% فقط من المواد الغذائية التي تستهلكها على أساس السعرات الحرارية، بالاعتماد على ميزان تجاري قائم على العولمة ومبني على تصدير المنتجات الصناعية الثقيلة، في حين تستورد البلاد كميات ضخمة في مجالات الزراعة والغابات ومصايد الأسماك، ما يجعلها عرضة لمخاطر توقف الإيرادات خلال الكوارث أو الأوبئة، وقد يتسبب بغرق البلاد السريع في أزمة غذائية حادة.

من هذا المنطلق؛ أوصى يوشيميتسو بضرورة تحويل الأزمة الراهنة إلى فرصة للابتعاد عن السياسات القائمة على عولمة الاقتصاد، والتطلع إلى إنتاج أكبر قدر ممكن من الغذاء المستهلك محليًا، وتقديم الدعم الشامل للعاملين في القطاع الزراعي، ودعم الاستثمارات الصغيرة فيه.

ورأى يوشيميتسو أن إعادة النظر في أنماط الحياة وقيمها، أصبح ضرورة ملحة، بعد أن كان من المسلمات في جميع أنحاء العالم، والحياة حيث يولد الناس وينشؤون في أمان، ويعيشون ويعملون في أمان، ويتمتعون بحياة سلمية في التقاعد.

الحفاظ على البيئة

وللوصول إلى مستقبل مستدام وآمن، يجب على الحكومات والمؤسسات والأفراد تبني توجه جديد للحفاظ على البيئة والموائل الطبيعية ودعم سياسات مواجهة الاحترار العالمي، إذ ترى إحدى الفرضيات عن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) أن نشأته وتطوره الجيني عائد لتقلص الموائل الطبيعية للحيوانات وتعدي البشر عليها، والتوسع المفرط غير المدروس للنشاط البشري، ما تسبب بازدياد احتكاك الحيوانات البرية مع بعضها، وازدياد احتكاك البشر بها، ما وفر بيئة خصبة لانتقال الفيروسات وتطورها؛ على غرار ما شهدناه من تطور فيروس كورونا المستجد بانتقاله من الخفاش إلى آكل النمل، ومن ثم انتقاله إلى البشر.

وقف التعدي على الغابات

ويرى علماء أن تدمير الموائل الطبيعية يزيد من احتمالات انتقال الأمراض إلى البشر، ومنذ مطلع القرن الواحد والعشرين، عصفت ثلاثة أوبئة خطيرة بالبشرية، وكان ما يجمع بين سارس وإيبولا وكوفيد-19 أنها انتقلت للبشر من حيوانات تعيش في الغابات المدارية الكثيفة.

ويقدر العلماء أن 75% من الأمراض الجديدة تصل إلى البشر من حيوانات تعيش في غابات نحرقها أو نقطعها لإفساح المجال أمام الأنشطة البشرية؛ من استقرار أو تنقيب أو زراعة محاصيل تجارية، وكلما أزلنا مساحات أكبر من الغابات، زاد احتكاكنا مع كائنات برية تحمل ميكروبات مميتة للبشر، بعد أن حشرنا الحيوانات البرية في مناطق أضيق، ما زاد انتقال الميكروبات بينها وأتاح إنتاج سلالات جديدة منها.

ومن شأن وقف التعدي على الغابات أن يقلل من تعرضنا لكوارث شديدة، ويقلل من انتشار قائمة طويلة من الأمراض الخطيرة الآتية إلينا من الغابات المطيرة؛ مثل فيروس زيكا ونيباه والملاريا والكوليرا وفيروس عوز المناعة. وتوصلت دراسة أُجريت في العام 2019 إلى أن زيادة إزالة الغابات بنسبة 10% سيرفع من حالات الملاريا بنسبة 3.3% أي نحو 7.4 مليون شخص حول العالم.

وما زال التعدي على الغابات متفشيًا، ومنذ العام 2016 خسرت الغابات ما متوسطه 28 مليون هكتار من الأشجار البكر، سنويًا، ولا توجد علامة على تراجع المعدل.

حلول

ولوقف تدهور الغابات ينبغي على المجتمعات الأهلية التدخل واتخاذ خطوات عملية؛ منها تغيير بعض العادات الغذائية مثل تخفيض الهدر الغذائي وتقليل تناول اللحوم ما يخفض الطلب على العلف ومناطق الرعي. والتقليل من الأطعمة المصنعة ما يقلل الطلب على زيت النخيل المزروع في مناطق الغابات المدارية. وإغلاق أسواق بيع الحيوانات غير المراقبة. فضلًا عن تقليل معدل النمو السكاني في الدول النامية وزيادة إنتاجية الأراضي المزروعة وتطوير محاصيل مقاومة للأمراض والعوامل المناخية الصعبة.

ويجب أن تترافق تلك الإجراءات مع جهود وقائية لحماياتنا من أي عوامل ممرضة جديدة، ما يتطلب أن يذهب علماء الأوبئة إلى داخل الغابات لفحص الحيوانات الناقلة للفيروسات؛ مثل الخفافيش والقوارض والقرود وتتبع حركة الجراثيم والفيروسات وتطورها. ويصب وقف التعدي على الغابات، في إطار أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

وعلى الرغم من فداحة وباء كوفيد-19، إلا أنه ينبهنا إلى ضرورة تغيير نمط سير الأمور، والبحث عن حلول مستدامة، وإيقاف استغلال الموارد الطبيعة. للوقاية من الأوبئة المستقبلية.

علاقة الاحترار العالمي بالأوبئة

وازدادت الدراسات التي تربط تعدينا على البيئة بانتشار الأوبئة، ومنذ فترة طويلة رجح العلماء أن يتسبب ارتفاع درجات حرارة الكوكب في انتشار الأمراض المعدية، مغيرًا العلاقة بين العوامل المعدية والأجسام المضيفة والآليات الدفاعية لجسم الإنسان.

وعلى الرغم من أن الرابط بين ارتفاع حرارة الكوكب والأمراض التنفسية؛ مثل الإنفلونزا وكوفيد-19، يبقى غير واضح تمامًا، لا يخفي بعض العلماء قلقهم من انعكاس التغير المناخي على علاقة أنظمة أجسامنا الدفاعية مع الأمراض.

وقد تتسبب التغيرات الطارئة المرتبطة بالاحترار العالمي في تأقلم الميكروبات مع كوكب أدفأ، وتغير العلاقة بين العوامل الممرضة وأجسام الحيوانات المضيفة، وضعف رد الفعل المناعي البشري.

حاجز الحماية الحراري

وقال آرتورو كاساديفال، رئيس قسم علم الأحياء الجزيئية والمناعة في كلية جونز هوبكنز بلومبيرج للصحة العامة، إن «كثيرًا من الكائنات الدقيقة لا تتحمل درجة حرارة أجسادنا الطبيعية؛ 37 مئوية، وتموت عندها، مصطدمة بحاجز حراري طبيعي يحمينا من عوامل ممرضة عديدة.»

ولكن هذا الوضع تغير على ما يبدو في الآونة الأخيرة، إذ نشر كاساديفال وفريقه البحثي، في العام 2019، ورقة بحثية، تصف فطريًا مقاومًا للأدوية يدعى كانيدا أوريس، استُخرِج من شخص في العام 2009، عُثِر عليه بعدها في 3 قارات خلال العقد الماضي، ما يعطينا مثالًا خطيرًا على تأقلم فطري مع درجات حرارة أعلى واختراقه للحاجز الحراري البشري.

ويتمثل الخطر حاليًا، في تأقلم كائنات ذات دم بارد مع ظروف أدفأ، ما قد يؤدي إلى انتشار أمراض جديد لا قِبل لأجسامنا بالتصدي لها؛ وقال كاساديفال «نملك كبشر خطي دفاع ضد الفيروسات؛ درجة حرارة أجسادنا، ونظامنا المناعي المتطور. ولكن في عالم أدفأ، قد نخسر أحدهما.»

خسارة المناعة

وما يثير القلق أكثر، توقعات حديثة لباحثين من جامعة طوكيو، بأن خط دفاعنا الثاني في خطر أيضًا، إذ خلصت دراستهم التي نشروها مجلة أكاديمية العلوم الأميركية، العام 2019 -بعد تجارب أجروها على فئران محقونة بفيروس الإنفلونزا الموسمي- إلى أن درجات الحرارة العالية أضعفت فاعلية الجهاز المناعي. وإن كان الرابط غير واضح بعد.

هجرة الكائنات إلى بيئات أبرد

وقد يتسبب ارتفاع درجات حرارة كوكبنا بخطرٍ آخر، مرتبط بميل الكائنات الحية إلى الانتقال نحو بيئات أقل حرارة، إذ نشرت مجلة ساينس في العام 2017، دراسة فحواها أن الكائنات التي تعيش على اليابسة تقترب من مناطق القطبين بمعدل 17 كيلومترًا في العقد، بينما تقترب الكائنات البحرية بمعدل 72 كيلومترًا في العقد، ما يتسبب باختلاط كائنات لم يسبق لها أن عاشت بالقرب من بعضها، وقد يؤدي إلى طرق جديدة لانتشار العدوى.

وقالت الدكتورة إيلين فوكسمان، الأستاذة في قسم الطب المختبري والمناعة في كلية ييل الطبية، إن «تغير المناخ يشوش كثيرًا من أنماط النشاط البشري والحشرات وحتى الخفافيش التي أتى منها الفيروس المُسبِّب لمرض كوفيد-19 وباقي الفيروسات التاجية. وقد يؤدي التشويش إلى تغيير التفاعل بين الأمراض وخطوط الدفاع البشرية بطرق لم يفهمها العلماء بعد.»

الطاقة المتجددة تحد من الكارثة

ويبقى التغير المناخي موضع جدل على الرغم من الأدلة الدامغة على ما يسببه من كوارث، في ظل مساعي الماكينة الدعائية لشركات الوقود الأحفوري التي تحاول تجميل الواقع؛ وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء يقتل نحو 7 ملايين شخص حول العالم كل عام، ما يجعلنا أكثر عرضة للأمراض التنفسية؛ ومن بينها بالطبع فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الذي قد يتحول إلى فيروس موسمي.

وقال إنريكي دانس، الخبير بالتحول الرقمي في جامعة آي إي الإسبانية، إن «عدم التحرك لحل المشكلة، سيسبب تداعيات خطيرة على البشرية جمعاء. فالكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري، تنتج نحو 25% من الانبعاثات الضارة على كوكبنا، في حين يبقى التصنيع مسؤولًا فقط عن 21% والنقل مسؤول عن 14%. ولذلك إن كان بيدنا أن نقوم بتغيير واحد لمواجهة خطر التغير المناخي، فيجب أن يكون الانتقال نحو الطاقة النظيفة المتجددة. والمكونان الرئيسان في هذا المجال يحملان إمكانيات واعدة؛ الألواح الشمسية وبطاريات التخزين اللذان يتطوران تدريجيا ويصبحان أكثر كفاءة وأقل تكلفة مع مرور الوقت.»

وأضاف «أصبحت إعادة تشكيل خريطة إمدادات الطاقة على مستوى العالم بأكمله ممكنة جدًا، حتى أن الدول المنتجة للفحم مثل أستراليا، وضعت خططًا للاستفادة من وفورات ضخمة من انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة، والوصول إلى إمدادات تصل إلى 90% من الطاقة المتجددة بحلول العام 2040. في حين تستثمر بعض شركات النفط في الطاقة الشمسية في محاولات لتبييض صفحتها، ولكن الدافع الرئيس هو الربح. ولاحظنا في الآونة الأخيرة توجه دول كبرى إلى الاستثمار في الطاقة النظيفة؛ ومنها بريطانيا التي وصلت إلى رقم قياسي في إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، والولايات المتحدة التي تخطط بعض ولاياتها للاستغناء عن الوقود الأحفوري.»

وتابع «قد يبدو للوهلة الأولى أن التحول نحو الطاقة النظيفة أمر مكلف، ولكن عند أخذنا بعين الاعتبار تكاليف الكوارث الناجمة عن الإضرار بصحة كوكبنا وقيمة الحياة الإنسانية، سنوقن أن التحول نحو الطاقة النظيفة أمر لا يحتاج إلى التردد.»

انتعاش بيئة الابتكار

وعلى الرغم من تشبيه الملياردير الأمريكي بل جيتس، لجائحة كوفيد-19 بحرب عالمية، فإنه أوصى في أبريل/نيسان 2020، بالنظر إلى الجانب المشرق؛ وقال «ساعدت كمية كبيرة جدًا من الابتكارات، خلال الحرب العالمية الثانية؛ بما في ذلك الرادار والطوربيدات وكسر الشفرات، على إنهاء الحرب بشكل أسرع، وسيكون هذا هو الحال مع جائحة كوفيد-19. فالابتكارات في مجالات الاختبار والعلاجات واللقاحات وسياسات الحد من الانتشار، مع تقليل الضرر الذي يلحق بالاقتصاديات والرفاهية، ستأتي في نهاية المطاف، من خلال تعاون الجميع، إن الطريقة التي تكاتف بها العالم لمحاربة الجائحة تدعو للإعجاب.»