وجد العلماء ما لا يقل عن ثمانِ سلالات من فيروس سارس كوف-2 المسبب لجائحة كوفيد-19، إذ أرسل العلماء أكثر من 2000 تتابع جيني لتلك السلالات من مختبرات عدة حول العالم إلى قاعدة البيانات المفتوحة نكست سترين، وشملت البيانات 36 دولة من ست قارات ما عدا قارة أنتاركتيكا. وتبين الخرائط التي نشرها الموقع التحور الفيروسي في الوقت الحالي، وأظهر التقرير الذي أعده موقع ناشيونال جيوجرافيك أن الفيروس يحور من تركيبه الجيني كل 15 يومًا تقريبًا.

وأضاف تريفور بيدفورد المؤسس المشارك لقاعدة بيانات نكست سترين وعالم الأحياء الحاسوبية في مركز الأبحاث الطبية في سياتل «إن الطفرات الموجودة بين سلالات الفيروس لا تمثل خطرًا كبيرًا، لأنها طفرات صغيرة جدًا وبطيئة، فلا توجد دلالات تشير إلى أن أحد هذه السلالات أشرس من الأخرى، بل إن هذه الطفرات مفيدة لنا كباحثين إذ تساعدنا في تتبع الفيروس وفهم نشأته، فهي أشبه بقطعة الأحجية التي تكشف لنا كيفية انتشار الفيروس من مكان إلى آخر.»

تحتوي المادة الوراثية لفيروس سارس كوف-2 نحو 30 ألف أساس آزوتي، في حين يوجد لدى الإنسان ما يزيد عن 3 مليارات أساس آزوتي، والتغير الحاصل بين سلالات الفيروس المختلفة يحدث ضمن 11 أساس آزوتي فقط.

يحلل العلماء الطفرات الموجودة في سلالات الفيروس في عينات مختلفة من المرضى، لبناء ما يعرف بالشجرة الوراثية، وتنظم العينات في هذه الشجرة حسب تاريخ أخذها من المرضى، ما يفسر حركة الفيروس الجغرافية ويقدم تصورًا سليمًا لكيفية انتشاره في الوقت اللحظي.

فمثلًا ترتبط معظم إصابات كوفيد-19 التي ظهرت على الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية بسلالة حُددت لأول مرة في واشنطن، وهي على بعد ثلاث طفرات فقط من سلالة الفيروس التي نشأت في مدينة يوهان الصينية، ويظن بأنها جاءت من رجل كان في مدينة يوهان في الصين، مركز انتشار الفيروس ثم عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف يناير/كانون الثاني 2020، وذلك وفقًا للتحاليل التي أجراها عالم الأحياء الحاسوبية تريفور بيدفورد.

أما على الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، فتوجد سلالات عدة، منها السلالة التي أتت من واشنطن، وسلالات أخرى شقت طريقها من الصين إلى أوروبا ثم دخلت إلى أمريكا، وفقًا لتصريحات تشيو أستاذ الطب والأمراض المعدية في كلية طب سان فرانسيسكو في جامعة كاليفورنيا.

وقال كريستيان أندرسن؛ أستاذ في مركز سكريبس لأبحاث العلوم الطبية والحيوية في لا جولا في كاليفورنيا «تقدم هذه التحليلات الجينية لفيروس سارس كوف-2 لمحة صغيرة عن الجائحة الكبرى، إذ لدينا نحو مليون إصابة في مختلف أنحاء العالم، وأرى أن كثيرًا من السلالات لم يُكشف عنها بعد.»

وأضاف أندرسون في حديثه لموقع يو إس أي توداي «إن فيروس سارس كوف-2 لا يتحور بسرعة كبيرة، إذ يتحور بمعدل ثمانِ إلى عشر مرات أبطأ من فيروس الإنفلونزا، ما يجعله مشابهًا للفيروسات التاجية الأخرى، مثل متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس)، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، ومن غير المتوقع أن يتحور الفيروس لسلالة أكثر فتكًا من قدرته الحالية، فهو فيروس فعال جدًا في الانتقال بين البشر.»

وفي حين ما زال لدينا كثير من الأسئلة عن مسار تفشي مرض كوفيد-19، إلا أن أمرًا واحدًا أصبح محل اتفاق في الأوساط العلمية، وهو أن فيروس سارس كوف-2 لم يُصمم في المختبرات، إذ تُلغي الطفرات الحاصلة في التركيب الجيني للفيروس باستمرار فكرة أن الفيروس مطور في المختبرات، بل تحور طبيعيًا في مضيف حيواني ثم انتقل إلى البشر بعد ذلك وما زال يتحور، بالإضافة إلى أن بعض الدراسات البحثية أشارت إلى أن فيروس سارس كوف-2 ربما يكون فيروس هجين من فيروسين موجودين سابقًا، إذ أن تركيبه الجيني مشابه لتركيب فيروس را تي جي 13 الذي يعيش في إحدى الخفافيش الملتقطة من مقاطعة يونان الصينية بنسبة تبلغ نحو 96%، وتتشابه منطقة معينة من بروتين إس الموجود على سطح فيروس سارس كوف-2 والذي يستخدمه الفيروس لدخول خلايا الرئة مع فيروس معزول من آكل النمل الحرشفي الماليزي بنسبة تبلغ نحو 99%.