لتقنية الاتصالات قدرة كبيرة على تغيير أسلوب الحياة، وبنظرة تاريخية سريعة نجد أن جميع التقنيات؛ مثل الطباعة والراديو والهاتف والإنترنت، حملت آثارًا هائلة على مختلف النواحي الاجتماعية والاقتصادية، ويبدو أن تقنية الجيل الخامس (5 جي) ستمثل التحول الأساسي المقبل في عالم اتصالات الإنترنت وتقنيات الهاتف النقال.

تتيح شبكات الجيل الخامس نقل البيانات أسرع بنحو 100 مرة، وباعتمادية أعلى، وعلى امتداد مناطق أوسع، وتقدم عرض نطاق ترددي أوسع بكثير ومدة استجابة قصيرة، ما يمكّن الأفراد والشركات من نقل البيانات والصور ومقاطع الفيديو لاسلكيًا بسرعات غير مسبوقة. وستتيح تلك الشبكات تشغيل الواقع الافتراضي والمعزز دون أي تأخير أو خلل، وستخلص المناطق عالية الكثافة السكانية من اضطرابات الاتصال، وستتيح الوصول إلى القاطنين في المناطق النائية بصورة أفضل.

وسيؤدي ذلك إلى ثورة في التطبيقات على مستوى قطاعات متعددة، من بينها الرعاية الصحية والصناعات الثقيلة والتصنيع والطاقة وتجارة التجزئة والخدمات المالية ومجالات عديدة أخرى. وسيعزز الجيل الخامس، الابتكار؛ مثل نمو الاقتصاد الرقمي بعد إطلاق الجيل الرابع بفضل المنصات الجديدة؛ مثل أوبر وإيربي إن بي الأمريكيتين، والنمو الكبير لفيسبوك.

تجارب عربية

ويتجاوز العالم العربي مناطق أخرى عديدة، فهو من أوائل المطلقين للجيل الخامس تجاريًا. ويُتوقع الوصول إلى 50 مليون اتصال عبر شبكات الجيل الخامس على امتداد المنطقة بحلول العام 2025، إذ ستُربَط 30% من بلدانها بالشبكة. وتقنية الجيل الخامس متوفرة حاليًا في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، فهي متوفرة مثلًا في مناطق عدة في دولة الإمارات العربية المتحدة،  وستكون متوفرة في معرض إكسبو 2020.

وتغطي شبكة الجيل الخامس نحو 95% من الكويت حاليًا، وشبكة الجيل الخامس في المملكة العربية السعودية هي الأكبر في المنطقة إذ تغطي مساحة 20 مدينة، وتوجد الشبكة في البحرين أيضًا، إذ تغطي نحو 20% من البلاد.

تعزيز إنترنت الأشياء

وتقدر المكاسب الإنتاجية للصناعة العالمية من شبكات الجيل الخامس بنحو 11 تريليون دولار، ولهذا فإن الاستثمار فيها أمرًا بديهيًا. ويُتوقع ازدهار إنترنت الأشياء كأبرز نتائج انتشار شبكات الجيل الخامس.

وأصبحت الأجهزة المتصلة بالإنترنت عند المستهلكين وفي قطاعات العمل القاعدة العامة، وتقدر مؤسسة الدراسات والأبحاث العالمية جارتنر أن الأجهزة المتصلة بإنترنت الأشياء ستصل إلى نحو 20 مليار جهاز بنهاية العام الحالي.

وشهدنا تزايد شعبية الأجهزة الذكية، عند المستهلكين، سواء في مجال الإضاءة أو الأمن المنزلي أو أنظمة التدفئة أو برامج المساعدات الافتراضيات ومن أشهرها أليكسا؛ التي طورتها شركة أمازون.

وتؤدي الفرص المتاحة نتيجة نشر شبكات الجيل الخامس إلى نمو الطلب على الأجهزة الاستهلاكية المتصلة، ومنها المركبات ذاتية القيادة، إذ ستزدهر بمعدلات عالية في الأعوام المقبلة مع منافعها الكبيرة؛ مثل الأمان والكفاءة. وأجرت الإمارات العربية المتحدة اختبارات للمركبات ذاتية القيادة، وستصبح جاهزة للعمل ابتداءً من العام 2021. وتخطط دبي لرفع نسبة رحلات السيارات ذاتية القيادة إلى 25% من جميع الرحلات بحلول العام 2030.

ولا تقل الطائرات دون طيار أهميةً عن المركبات ذاتية القيادة، إذ أن تزويد هذه التقنية بشبكات الجيل الخامس سيزيد كفاءتها وأمانها ويعزز استخداماتها الصديقة للبيئة، فضلًا عن إتاحتها الوصول إلى المواقع النائية، ما يساعد في التغلب على تحديات لوجستية عديدة يواجهها القاطنون في أجزاء العالم النامية. وقد تشكل عاملًا حاسمًا في حالات الكوارث الطبيعية. وستشمل الاستخدامات الأخرى الأمن والزراعة والصحة والسلامة في الصناعات.

دعم الرعاية الصحية

وللجيل الخامس تأثير كبير على الرعاية الصحية، وهو قطاع يستحق الإضاءة عليه، نظرًا لسرعة نموه في المنطقة. إذ سيؤثر الجيل الخامس على الأجهزة الذكية ما يتيح مراقبة الناس لصحتهم من خلال الأجهزة القابلة للارتداء، ويؤدي إلى زيادة الممارسات الصحية وتحسين الصحة العامة.

وسيسهل ذلك الاستخدام المتنامي للطب عن بعد، وتقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي، والرقابة المباشرة، ما يبشر بإدارة أفضل لبيانات المرضى، وتحسين الكفاءة، وتسهيل الخدمات الرقمية، وتحسين الوصول والقدرة على علاج المرضى عن بعد. وسيوفر ذلك لمختصي الطب نظرة دقيقة في صحة المرضى، وتقديم علاجات أكثر تخصيصًا، وعلاج المرضى دون الحاجة إلى زيارة المراكز الطبية في بعض الحالات، وهو أمرٌ تحتاجه الحكومات في مواجهة الأوبئة العالمية حين تُقيد الحركة العامة.

ازدهار الصناعة

وستُحدِث تقنية الجيل الخامس تأثيرًا كبيرًا في قطاع التصنيع، وتتطلع شركات التصنيع إلى ابتكارات الجيل الخامس في ظل ازدهار الصناعة في دولة الإمارات والانتشار المضطرد لشبكات الجيل الخامس. ولاعتماد التقنية فوائد جمّة للمصنعين على الرغم من تحديات الأمن الإلكتروني.

وتتيح تقنية الجيل الخامس مع الذكاء الاصطناعي المراقبة بشكل مباشر، ما يمنح مشغلي المصانع رؤية أكبر لعملياتهم. ويمكن المصانع من تكييف إجراءاتها وفقًا لأنماط العمل ومستويات الإنتاجية من خلال فهم أفضل للعمليات؛ فضلًا عن تحسين مستويات الصحة والسلامة عند أتمتة العمليات الخطيرة. أي يمكن للمصنعين العمل بدقة أكبر.

وتطول قائمة التأثيرات على مختلف القطاعات. ولا توفر شبكات الجيل الخامس فرصًا للتحسين الكبير لطريقة عمل القطاعات الفردية فقط، بل تحول المنطقة بأسرها إلى مركز للابتكار. وأصبحت الظروف مهيئةً في العالم العربي لتطوير التقنيات الثورية المقبلة مع النمو المتزايد للشركات الناشئة في المنطقة عامًا بعد عام، والدعم الحكومي لمنظومات داعمة لرواد الأعمال. وستسرع شبكات الجيل الخامس تحقيق تلك الابتكارات. وقد نشهد خروج أمثال بيل جيتس وإيلون ماسك من عالمنا العربي في غضون أعوام قليلة.