من قلب الظلمة

يشبه علم الفلك في بعض جوانبه السفر عبر الزمن، فنحن لا نرى سوى أشياء حدثت في الماضي (قبل مليارات الأعوام في بعض الحالات)، وحتى إن استخدمنا أفضل التلسكوبات، تتطلب الإشعاعات وغيرها من الإشارات التي نلتقطها زمناً طويلاً نسبياً كي تصل إلى أرضنا، وكلما كان الحدث الفلكي أبعد، تأخرنا في اكتشافه أكثر. وتقدم تلك المعلومات للعلماء نظرة إلى الماضي، أو حتى لمحة عن أسس هذا الكون أحياناً.

استخدمت ناسا مؤخراً، تلسكوب فيرمي الفضائي لأشعة جاما بهدف التقاط إشعاع جاما عالي الشدة من بعض المجرات القديمة والبعيدة جداً. وهي مجرات تشكّلت منذ 12 مليار سنة تقريباً، وتوفر دراستها أدلة عن تكوّن الثقوب السوداء خلال بدايات الكون (نسبياً).

صدرت هذه الإشعاعات من أجسام فضائية عالية الطاقة، تسمى بالنجوم الزائفة المتوهجة (Blazars)، وهي نجوم زائفة مضغوطة. وتوجد عادة في مراكز المجرات الفعالة (التي تنتج كميات كبيرة من الطاقة) الإهليلجية، والتي تعد أيضاً موطناً لثقوب سوداء هائلة. ونتيجة لتساقط المادة باتجاه هذه الثقوب السوداء، تطلق الطاقة التي تتحرك بسرعة الضوء تقريباً. وباستخدام هذه المعلومة نعرف مصدر هذه الطاقة وزمن إطلاقها.

نظرة أعمق

يشعر الفلكيون بالحماس نحو دراسة ثقوب سوداء بهذا القدم. ويقول روبيش أوجها من مركز جودارد التابع لناسا للتحكم بالرحلات في بيان صحفي: «على الرغم من صغر عمرها، فإن هذه النجوم الزائفة المتوهجة البعيدة تحتوي على بعض أضخم الثقوب السوداء التي نعرفها. ويشكل تطورها في مراحل مبكرة جداً من تاريخ الكون تعارضاً مع أفكارنا عن كيفية تشكّل الثقوب السوداء العملاقة ونموها، ونريد العثور على أعداد أكبر منها حتى نفهم هذه العملية بصورة أفضل.»

يتوفر اليوم للعلماء وسائل أفضل للنظر إلى أعماق الكون، ومنها تلسكوب فيرمي الفضائي. ويتيح لنا هذا التعمق في ماضي الكون، لكن وكما تفعل كثير من الاكتشافات المهمة، تثير هذه النتائج من الأسئلة أكثر مما تقدم من الأجوبة. ويقول داريو جاسباريني، أحد أعضاء الفريق من مركز البيانات العلمية التابع لوكالة الفضاء الإيطالية: «السؤال المهم الآن هو كيف تشكلت ثقوب سوداء بهذه الضخامة في كون يافع هكذا؟ فنحن لا نعرف ما هي الآليات التي تسببت بتضخمها السريع.»

لا تقدم معلوماتنا عن الثقوب السوداء حلاً للغز تشكل هذه الثقوب السوداء العملاقة، التي تضخ ما يساوي ترليوني ضعف طاقة شمسنا. وإذا توصلنا للإجابة عن هذه الأسئلة سنفهم تطور الكون بصورة أوضح، وندرك ما يخبئه لنا المستقبل. تتابع وكالة ناسا حالياً البحث عن نجوم زائفة متوهجة أخرى لدراستها، ووفقاً لماركو أجيلو من جامعة كليمسون في ساوث كارولينا: «نعتقد أن فيرمي اكتشف مجرد شيء قليل منها فحسب، وهذا أول مثال عن مجموعة مجرات لم تحديد سابقاً باستخدام أشعة جاما.»