قدمت جميع الثورات الصناعية سبلًا جديدةً لتطوير العمل مثل الحواسيب والتقنية الرقمية التي نعتمد عليها كليًا في وقتنا الحالي، ويقود الذكاء الاصطناعي ثورة الذكاء الصناعية الرابعة الحالية، التي تختلف عن سابقاتها بكونها تقود سلسة من التغييرات التي سنشهدها خلال الأعوام المقبلة.

إليك أهم ثلاث جوانب يغير بها الذكاء الاصطناعي عالم العمل قريبًا:

1- أتمتة المهام

أدى تزايد الأتمتة إلى انتشار مقولة «استيلاء الروبوتات على الوظائف» التي لا مجال لنفيها في بعض القطاعات. حللت شركة برايسووترهاوس كوبرز أكثر من 200 ألف وظيفة في 29 دولةً، وخلصت إلى ما يلي:

وصلت نسبة الوظائف المعرضة للخطر في بدايات العقد الحالي إلى نحو 3 بالمئة، وستزداد هذه النسبة إلى نحو 20 بالمئة بنهايته، وستشهد نحو 30 بالمئة من الوظائف، في منتصف العقد القادم، خطرًا محتملًا بسبب الأتمتة، وتزداد هذه النسبة إلى نحو 44 بالمئة للوظائف التي يكفي فيها المستوى التعليمي المنخفض.

وعلى الرغم من هذه النتائج السلبية، لكن الأتمتة تجلب معها، أيضًا، تأثيرات إيجابيةً؛ إذ خلصت الدراسة، ذاتها، إلى أن خسارة بعض الوظائف سيقابلها خلق فرص عمل جديدة. وقد توفر الروبوتات والذكاء الاصطناعي والأتمتة تعزيزًا محتملًا للناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 15 تريليون دولار بحلول العام 2030.

وأثبتت الثورات الصناعية السابقة هذا الأمر من خلال خلق فرص عمل أكثر من شطبها. صحيح أن ابتكار الإنترنت حمل آثارًا سلبيةً لبعض الوظائف بسبب انتشار التعاملات الإلكترونية، لكنه خلق فرص عمل متنوعة، وأتاح للشركات دخول أسواق عديدة، واستهداف زبائن جدد.

وستخلق الأتمتة وظائفًا أكثر ملاءمةً للبشر؛ لأن أكثر الوظائف التي خضعت للأتمتة لم تكن تناسب البشر، فالآلات تبرع في أداء الوظائف الرتيبة التي تتطلب تكرار المهمات، ليتسنى للبشر التفرغ للتفكير والإبداع والتميز.

2- تغير وظائف البشر

يؤدي تولي الأتمتة لبعض المهمات إلى تفرغ البشر للأعمال الإبداعية التي تتطلب مهارات؛ مثل حل المشكلات، وإظهار التعاطف والإنصات والاتصال والتفسير والتعاون وجميع المهارات التي يتفوق فيها البشر على الآلات، ما يعني أن وظائف المستقبل ستركز على العنصر البشري والمهارات الشخصية، وستخلق الأتمتة فئات عمل جديدة، هي:

- وظائف اعتيادية تركز على المهام الروتينية والعمليات الاعتيادية التي لا تتطلب مهارات عليا.

- وظائف مهجنة تحتاج إلى تسخير المهارات التقنية والشخصية التي، عادةً، لا تحتاجها الوظيفة.

-وظائف خارقة تتضمن مهمات ومسؤوليات من وظائف تقليدية متعددة؛ حيث تستخدم التقنية لتعزيز نتاج العمل وتوسيع أفقه. وهي تتطلب مزيجًا من مهارات شخصية عليا وتقنية.

وهذا يبرز حاجة الموظفين والشركات إلى تطوير المهارات الشخصية والتقنية للنجاح في عصر الذكاء الاصطناعي.

3- تغير تجربة الموظف في العمل

ستتغير تجربة الموظف تغيرًا بارزًا حتى في الشركات غير التقنية إن وجدت مستقبلًا؛ إذ ستتزايد أعداد الروبوتات والبوتات المساعدة في بيئات العمل، وخاصةً في المصانع والمخازن. وسيضطر العاملون في المكاتب إلى استخدام أدوات ذكاء اصطناعي بمثابة مساعدي عمل، وستلعب تقنية الذكاء الاصطناعي والآلات الذكية دورًا بارزًا ومتناميًا في عمل الموظف الاعتيادي حتى يصبح استخدام الأدوات التي تراقب سير العمل ونجاح العمليات وطرح اقتراحات ذكية لرفع كفاءة العمل أمرًا اعتياديًا.

وستطور أدوات لتنفيذ الأعمال الإدارية المتكررة، مثل تنظيم الاجتماعات، وإدارة المهمات اليومية، بالإضافة إلى أدوات تراقب عمل الموظفين، وتشير إلى المشكلات العالقة أو عدم تنفيذ المهمة وفق الإجراءات المعتادة. وستصبح الوظائف مستقبلًا غير مركزية، أي أن الموظف يستطيع العيش أينما شاء دون الحاجة إلى الذهاب إلى مقر عمله.

الاستعداد لثورة الذكاء الاصطناعي

سيغير الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا الأتمتة، بيئة العمل وطريقته، والعمل على تبني هذا التغيير بدلًا من توجس الخفيفة منه يعد الحل الأمثل. ولا ريب أنه يتطلب تغييرات في طريقة تفكير الأفراد والشركات، وهذا أحد التحديات التي ستواجهها الشركات في عملية دمج الذكاء الاصطناعي بنشاطاتها وأعمالها.