تعتمد جميع الدول النامية وكبرى المؤسسات والشركات حول العالم على الدراسات والتحليلات لوضع استراتيجيات العمل لديها من أجل تحقيق النمو والازدهار بالإضافة إلى استباق الأزمات والتحديات من خلال التحضير لها والمرور منها بأقل أضرار ممكنة. فمن كان ملمًا بطبيعة المنطقة والسوق من حوله ولديه رؤية مستقبلية صحيحة سيكون بإمكانه مواجهة الأزمات والتحديات الطارئة، أما من كانت استراتيجية العمل لديه تفتقر للدراسة والتحليل سيكون من الصعب عليه الصمود طويلًا في وجه أبسط التحديات.

توقعت شركة كورن فيري للأبحاث في تقرير يحمل عنوان: مستقبل العمل، تحول المواهب أن يصل العجز في العمالة الماهرة إلى 85.2 مليون عامل في العام 2030، ما سيشكل أزمة حقيقية في سوق العمل خاصة مع تأكيد 1550 مسؤولًا كبيرًا من نخبة رجال الأعمال في مختلف بقاع العالم على ضرورة رفع نسبة العمالة الماهرة ضمن فرق العمل لديهم. وكشف التقرير درجة الوعي لدى الشركات وأصحاب الأعمال بشأن النقص الكبير المتوقع مستقبلًا في العمالة الماهرة. وألقى الضوء على الخطط والإجراءات التي تعمل عليها الشركات لتفادي هذه الأزمة وتأمين حاجتها من العمالة الماهرة اللازمة في الفترة الزمنية الممتدة ما بين 2020 و2030. ولضمان دقة التحليلات وفهم السوق بشكل أفضل قارنت كورن فيري نمو الشركات بنظيراتها فقط من خلال تحليل بيانات مجموعةمن الشركات ذات النمو المرتفع مقابل الشركات ذات النمو المتوسط.

ولإعداد التقرير استطلعت شركة كورن فيري آراء 1550 مسؤولًا من قادة الشركات من مختلف بقاع العالم يعملون في أهم ثلاثة قطاعات رئيسة يرتكز عليها النمو الاقتصادي العالمي هي: الخدمات المالية وخدمات الأعمال، التقنية ووسائل الإعلام والاتصالات، والتصنيع. وأفاد نصف المشاركين في الاستطلاع أنهم سيواجهون أزمة كبيرة في تأمين العمالة الماهرة، وفي المقابل نفى ثلثهم أن العالم سيواجه أزمة حقيقية في توظيف العمالة الماهرة مستقبلًا. وأكد 8 من أصل 10 منهم أنهم يثقون بقدرات شركاتهم على تحسين مهارات الموظفين وأن إعادة توظيف مواهبهم ستكون ضرورية للنجاح في مستقبل العمل. ومع هذا صرح القليل منهم أن سيتخذون الإجراءات اللازمة، مع أن أصحاب الأعمال يحتاجون عاجلًا إلى اكتشاف مَن مِن الموظفين لديهم يتمتعون بالسمات والقدرات المناسبة حتى يستطيعوا البدء في تطوير القوى العاملة اللازمة للمستقبل.

أما من جانب الأجور وتأثيرها السلبي المباشر على أصحاب الأعمال توقع التقرير أن يؤدي نقص العمالة الماهرة إلى رفع الرواتب من خلال إضافة 2.515 تريليون دولار لفواتير الأجور السنوية في مختلف أنحاء العالم بحلول العام 2030.

ومع أن محللو شركة كورن فيري يتوقعون عجزًا في توفر المهارات المناسبة يرتفع من 20.3 مليون في العام 2020 إلى 85.2 مليون بحلول العام 2030، بقي التفاؤل سائدًا بين قادة الشركات إذ لا يتفقون مع هذا الاستنتاج، فهم يرون أن نقص المواهب الذي يواجهون بداياته ظاهرة مرحلية وليست دائمة، وفي المقابل يتوقع 66%من المديرين التنفيذيين نقصا في العمالة عالية المهارات بحلول العام 2020، ويرى 52% منهم أننا سنشهد عجزًا بحلول العام 2030. وصرح 84%من قادة الشركات أنهم للبقاء في السوق وتحقيق النجاح، ستحتاج شركاتهم إلى مزيد من العمال ذوي المهارات العالية ضمن القوى العاملة لديهم. لكن في الوقت ذاته، لا يشعر معظم أصحاب الأعمال بالتهديدات الحقيقية للأزمة وتأثيرها المدمر على أعمالهم. وأظهر التقرير أن مستويات الوعي تختلف اختلافًا كبيرًا حسب البلد. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يعاني الاقتصاد بالفعل من نقص في العمالة الماهرة، إلا أن فيها وعي متزايد عن مدى التأثير السلبي الذي يتسبب به هذا النوع من الأزمات، إذ يرى 79%من قادة الأعمال الأمريكيين أنهم سيعانون من نقص في المواهب بحلول العام 2020، بالمقارنة مع 47% من البريطانيين من أصحاب الأعمال الذين يرون تحديات مماثلة تلوح في الأفق. وفي حقيقة الأمر إن آمال أصحاب الأعمال في المملكة المتحدة وردية بعض الشيء، إذ يتوقع 32% منهم فائضا من العمال ذوي المهارات العالية بحلول العام 2025، بالمقارنة مع 17% فقط من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع على الصعيد العالمي. لكن بلغة الأرقام توقع التقرير في ذلك التاريخ أن يصل العجز في العمالة الماهرة في المملكة المتحدة إلى نصف مليون عامل.

ومع هذا بقي التفاؤل سائدًا بين قادة الأعمال إذ يرى جزء كبير ممن شاركوا في الاستطلاع أن هذا النقص في العمالة الماهرة ليس إلا أزمة مرحلية، إذ توقع 66% من المديرين التنفيذيين أن تبدأ أزمة العمالة الماهرة في العام 2020 لكن دون أن تستمر طويلًا، وفي المقابل توقع 52% منهم أن يبدأ عجز العمالة الماهرة بحلول العام 2030.

وأكد 84% من قادة الأعمال المشاركين في الاستطلاع أنهم إذا ما أرادوا البقاء في السوق والنجاح سيحتاجون إلى ضم المزيد من العمالة الماهرة إلى فرق العمل لديهم، وعلى الرغم من تأكيد معظمهم على ضرورة توظيف المزيد من العمالة الماهرة إلا أنهم لا يرون أن يكون للأزمة إن وجدت تأثيرًا مدمرًا على السوق وأعمالهم.

وأظهر التقرير أن مستوى الوعي بالأزمة ومدى تأثيرها يختلف من بلد إلى آخر، ففي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعاني حاليًا من عجز في العمالة الماهرة، يدرك قادة الأعمال هناك جيدًا مدى التأثير السلبي للأزمة، إذ يرى 79% من قادة الأعمال في الولايات المتحدة أنهم سيواجهون عجزًا في العام 2020، وهذا مقارنة بـنسبة 47% من قادة الأعمال البريطانيين الذين يشاركونهم الرأي ذاته، لكن توجد نسبة كبيرة من قادة الأعمال البريطانيين تصل إلى 32% يرون أنهم سيجدون فائضًا في العمالة الماهرة في العام 2025، ويظهر التقرير أنه في العام 2025 سيبلغ عجز العمالة الماهرة في المملكة المتحدة نصف مليون عامل.

وفي الصين، يرى رواد الأعمال أن نقص العمالة الماهرة ليس إلا مشكلة مؤقتة، إذ يتوقع 80% منهم حدوث عجز بحلول العام 2020 لكن 35% فقط من المشاركين في الدراسة يرون أنه سيحدث نقص في العام 2030. وتكشف بيانات كورن فيري أنا لعكس هو الصحيح. فالمتوقع للصين أن تشهد فوائض عمالة قصيرة الأجل مع عجز في العمالة الماهرة بدءا من العام 2030. وبحلول ذلك التاريخ قد يصل العجز إلى 6.7 مليون عامل.

ولمواجهة النقص الكبير الوشيك في العمالة المهارة، بإمكان المؤسسات تبني بعض الاستراتيجيات الصحيحة لرفع نسبة العمالة الماهرة لديها، وهي مبادرات يمكن أن تحسن من مستوى العمل وجودة الإنتاج. إذ باستطاعة هذه المؤسسات إطلاق برامج توظيف احترافية قادرة على اختيار العمالة الماهرة المناسبة واستغلال المهارات المتوفرة وتنميتها بأفضل شكل ممكن. ومن الممكن تصميم برامج مبتكرة للشركات اجتذاب وتدريب الشباب ليكونوا من أصحاب الحرف وضمن فئة العمالة الماهرة. ولا تحتاج هذه البرامج إلى اتباع المسار الأكاديمي التقليديّ، ويمكن الاستعانة بالورش التدريبية التقليدية.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه أصحاب الأعمال في تبني أحدث التقنيات المتوفرة لضمان سير أعمالهم ضمن منظومة محددة ودقيقة، تتشكل في هذه الأثناء أزمة حقيقية في إيجاد العمالة الماهرة ما قد يسهم في التحول السلبي لمسار أعمالهم وتجبرهم على اتخاذ إجراءات وقائية مستعجلة لمواكبة التطورات والتغيرات الطارئة على سوق العمل العالمي.